سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩١إنها سنة الله التي قضاها على خلقه لا تتبدّل ولا تتحول، فقد صدق وعد الله فنصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده، إذ لقي القوم مصارعهم في بدر وغيرها من الغزوات: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالاَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) (الدخان:29).
فليس الأمر اعتباطا كما يظنّون، فهناك نواميس ثابتة تحكم سير هذا الكون، والله من ورائها هو المدبّر الحكيم.
والقرآن حريص كلّ الحرص في أن يرفع تصوّرات البشر إلى معرفة سنن الوجود ومدى اطّرادها، ومن ثمّ يوجّه أنظارهم إلى ما وقع للأجيال السابقة علّهم يعتبرون.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الاَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا):
الأمر بالسير في الأرض تكرر في القرآن في مناسبات عدة، لأجل الاعتبار والاذّكار، بالوقوف على مصارع الطغاة المتجبّرين، وكيف كانت مصايرهم بعد أن أقام الله عليهم الحجة فكذّبوا برسله، وأعرضوا عن آياته.
وكفار قريش في جزيرتهم هم أقرب الناس وأولاهم بمعرفة أولئك الأقوام الهلكى وهم يمرّون عليهم في أسفارهم، ويعلمون أنّهم كانوا أقوى منهم عددا وبنية وأوسع عمرانا، وما أنجاهم ذلك من الهلاك والدمار، فكيف يستعصي هؤلاء الكفار على الهلاك، والله تعالى لهم بالمرصاد، وهو لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وهو من العلم والقدرة بحيث لا يغلبه شيء مهما عظم شأنه، فكيف بتلك الشرذمة الضعيفة القليلة.