09سأذ 22 صفر 1428هـ - 11 مارس 2007م
الجزء ١ · صفحة ٥وكما تفضلتم المعتزلة يقولون بعدم دخول الجن في جسم الإنس، ويقولون أيضاً بأن الجن عالم كتب الله تعالى عليه أن لا يُرى، فلذلك لا يُرون، فلأجل ذلك ينشأ أطفالهم بعيدين عن هذه الأوهام، بعيدين عن هذه التصورات، وهذا ما ذكره الكاتبون عنهم بأن المعتزلة من طبعهم أنهم لا يُرَوَعون بمثل هذه الأشياء لأنهم لا يصدقونها، فأطفالهم لا يُرَوَعون بأشباح من الجن تتراءى للناس، ولا يُرَوَعون أيضاً بأن الجن يضرونهم أو إن مروا في طريق تعرضوا للضرر إلى غير ذلك من هذه الأمور، ليس هنالك ترويع.
ومما يذكر أن رجلاً من المعتزلة دخل بيته لص ليسرق فشعر به صاحب البيت، ولما شعر به حاول هذا اللص أن يوهم صاحب البيت بأنه جني، فجاء إلى بئر ونزل فيها فتبعه صاحب البيت، فناداه : لكم النهار ولنا الليل. فأخذ صخرة ورماه بها في البئر. فهذا مما يدل على أن هذه الأوهام لا تدخل في ذهن المعتزلة، لا تتقبلها عقولهم، فلذلك عاشوا بعيدين عن هذه التصورات، وبعيدين عن هذه الأوهام. بينما المجتمعات التي تعشش فيها هذه الأوهام تلد هذه الأوهام بنفسها أمراضاً، هذه الأمراض تتصور أنها من الجن. الآن نحن نرى في مجتمعاتنا هذه كل شيء يُرد إلى الجن، لو أصابت الإنسان حشرجة في حلقه فإنه يقول بأن به مساً من الجن، ولو أصابته حمى يقول بأن به مساًَ من الجن، إن وجعته ركبتاه وقد يكون شيخاً كبيراً بلغ من الكبر عتيا يقول بأن به مساً من الجن، وجع بطن يصيبه يقول بأن سببه مس من الجن، زكام يصيبه يقول بأنه بسبب مس من الجن، وجع صدر يقول بأنه بسبب مس من الجن، كل شيء يُعاد إلى الجن كأنما الإنسان خُلِق بريئاً لا يمرض ولا يصاب بعلة من العلل، مع أن طبيعة الحياة أن فيها الصحة والسقم وفيها القوة والضعف وفيها الراحة والنكد، هذه طبيعة الحياة
جُبِلَت على كدرٍ وأن تُريدُها
لا صَفوا ًمن الأقذارِ والأكدارِ