كتاب العين (نسخة موقع الوراق) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

كتاب العين (نسخة موقع الوراق)

الجزء ١ · صفحة ١

بسم الله الرحمن الرحيم

بحمد الله نبتدئ ونستهدي، وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصريّ - رحمة الله عليه - من حروف: أ، ب، ت، ث، مع ما تكمَّلَت به فكان مدار كلام العرب وألفاظهم، فلا يخرج منها عنه شيء.

أراد أن تَعْرِفَ به العربُ في أشعارها وأمثالها ومخاطباتها فلا يشذُّ عنه شَيْء من ذلك، فأَعْمَلَ فكره فيه فلم يمْكِنْه أن يَبْتَدِئَ التأليفُ من أول ا، ب، ت، ث، وهو الألف، لأن الألف حرف معتلّ فلما فاته الحرف الأوّل كَرِهَ أن يَبْتَدِيءَ بالثاني - وهو الباء - إلاّ بعد حُجّةٍ واستقصاء النَّظَر، فدبّر ونظر إلى الحروف كلِّها وذاقَها فوجد مخرج الكلام كلّه من الحلق فصيَّر أولاها بالابتداء ادخَلَ حرف منها في الحلق.

وإنما كان ذَواقه إِيَّاها أنّه كان يَفْتَحُ فاهُ بالألفِ ثم يُظْهِرُ الحَرْفَ، نحو ابْ، اتْ، احْ، اعْ، اغْ، فوجد العيْن ادخَلَ الحروف في الحَلْقِ، فَجَعَلهَا أوّل الكتابِ ثمّ ما قَرُبَ منها الأرفعُ فالأرفع حتى أتَى على آخرها وهو الميم.

فإذا سُئِلَتَ عن كلمة وأردتَ أن تعرِفَ مَوْضِعَهَا. فانظُرْ إلى حُرُوْفُ الكلمةِ، فمهما وَجَدتَ منها واحداً في الكتاب المقدَّم فهو في ذلك الكتاب.

وقلَّبَ الخليل ا، ب، ت، ث، فوضعها على قدر مخرجها من الحلق وهذا تأليفه: ع، ح، ه، خ، غ، - ق، ك - ج، ش، ض، - ص، س، ز - ط، د، ت - ظ، ث، ذ - ر، ل، ن - ف، ب، م - و، ا، ي، همزة قال أبو مُعاذ عبدُ الله بنُ عائذ: حدَّثني الليثُ بنُ المُظَفَّر بن نصر بن سَيَّار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب.

قال اللَّيث: قال الخليلُ: كلاَمُ العَرَب مبنيّ على أربعةِ أصناف: على الثُنَائِيِّ، والثُّلاَثِيّ، والرُّباعيّ، والخماسيّ، فالثُّنائِيُّ على حَرْفَيْنِ نحو: قَدْ، لَمْ، هَلْ، لَوْ.

بل ونحوه من الأدوات والزَجْر والثلاثيُّ من الأفعال نحو قولك: ضَرَبَ، خَرَجَ، دَخَلَ، مَبْنيٌّ على ثَلاَثَةِ أحرف.

ومن الأسماء نحو: عُمر وجَمَلَ وشَجَر مَبْنيٌّ على ثلاثةِ أحرُف.

والرباعي من الأفعال نحو: دَحْرَجَ، هَمْلَجَ، قَرْطَسَ، مبْنيٌّ على أربعةِ أحْرف.

ومن الأسماء نحو: عَبْقَر، وعَقْرَب، وجندب، وشبهه.

والخماسيُّ من الأفعال نحو: اسْحَنْكَكَ واقْشَعَرَّ واسحَنْفَرَ واسبَكَرَّ مبنيّ على خمسة أحرف.

ومن الأسماء نحو: سَفَرْجَلَ، وهَمَرْجَلَ، وشَمَرْدَلَ، وكَنَهْبَلَ، وقَرَعْبَلَ، وعقَنْقَلَ، وقَبَعْثَرَ وشبهه.

والألف التي في اسْحَنْكَكَ واقشَعَرَّ واسْحَنْفَرَ واسْبَكَرَّ ليستْ من أصل البناء، وإنما أُدخِلت هذه الألِفات في الأفعال وأمثالها من الكلام لتكونَ الألِفُ عماداً وسُلّماً لِلِّسان إلى حَرْف البناء، لأنَّ اللِّسان لا ينطلق بالساكِن من الحروف فيحتاجُ إلى ألفِ الوَصْل إلاّ أنَّ دَحْرَجَ وهَمْلَجَ وقَرْطَسَ لم يُحْتَجْ فيهنَّ إلى الألفِ لتكونَ السُلَّم فافْهَمْ إنْ شاءَ اللّهُ.

اعلم أن، الراء في اقشَعَرَّ واسبكَرَّهُما راءانِ أُدغِمَتْ واحدة في الأخرى.

والتَّشديدُ علامةُ الإدغام.

قال الخليل: وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسةِ أحرُف، فمهما وَجَدْتَ زيادة عن خمسة أحرف في فِعل أو اسم، فاعلم أنَّها زائدة على البناء. وليسَت من أَصْل الكلمة، مثل قَرَعْبلانة، إنما أصْلُ بنائها: قَرَعْبَلَ، ومثل عنكبوت، إنما أصل بنائها عَنْكَب.

وقال الخليل: الاسم لا يكون أقلَّ من ثلاثةِ أحرف. حرف يُبْتَدَأُ به. وحرف يحشى به الكلمة، وحرف يُوْقَفَ عليه، فهذه ثلاثة أحرف مثل سَعْد وعُمَر ونحوهما من الأسماء.

بُدِيءَ بالعين وحُشِيَتْ الكلمة بالميم ووُقِفَ على الراء. فأمّا زَيْد وكَيْد فالياء مُتَعَلِّقَة لا يُعْتَدُّ بها.

فإن صَيَّرْت الثنائيّ مثل قَدْ وهَلْ ولَوْ اسما أدخَلْتَ عليه التَّشديد فقلت: هذه لوٌّ مكتوبةٌ، وهذه قدٌّ حَسَنَةُ الكِتْبة، زِدْتَ واوا على واو، ودالاً على دال، ثم أَدْغَمْتَ وشَدَّدْتَ.

فالتَّشديدُ علامةُ الإدغام والحَرْفُ الثالثُ كَقَوْل أبي زُبيد الطائيّ:

ليتَ شعري وأينَ مِنِّي لَيْتُ … إنَّ لَيتاً وإنَّ لَوّا عَنَاءُ

فَشَدَّدَ " لَوّاًً " حين جعله اسماً.

١ / ٧١٦