كتاب العين (نسخة موقع الوراق) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

كتاب العين (نسخة موقع الوراق)

الجزء ١ · صفحة ٢

قال ليث: قلت لأبي الدقَيش: هل لك في زُبْد ورُطَب؟ فقال: أشَدُّ الهَلِّ وأوحاه، فشدَّد اللام حينَ جَعَله اسماً. قال: وقد تجيء اسماءٌ لفظها على حرفين وتمامُها ومعناها على ثلاثة أحرف مثل يدٍ ودَمٍ وفَمٍ، وإنما ذَهَبَ الثالث لِعِلَّةِ أنها جاءت سواكن وخِلْقَتُهَا السُّكون مثل ياء يَدَيْ وياء دَمَيْ في آخر الكلمة، فلما جاء التنوين ساكناً اجتمع ساكنان فَثَبَتَ التنوين لأنه إعراب وذهب الحرفُ الساكن، فإذا أردتَ معرفَتها فاطلُبْها في الجمع والتَّصغير كقَولهم: أَيْديهم في الجَمع، ويُدَيَّة في التَّصْغير.

ويوجَد أيضاً في الفعل كقولهم: دَمِيَتْ يَدُهُ، فإذ ثَنَّيْتَ الفم قلتَ: فَمَوَان، كانت تلك الذاهبة من الفم الواو.

قال الخليل: بل الفَمُ أصلُه " فَوَهٌ " كما ترى والجمع أفواه، والفعل فاهَ يَفُوهُ فَوْها، إذا فَتَحَ فَمَهُ للكلام.

قال أبو أحمد حمزة بن زرعة: قوله: يدٌ دَخَلَهَا التنوين وذكر أنَّ التَّنوين أعرابٌ قلت بل الإعراب الضمَّة والكسرة التي تلزم الدال في " يد " في وجوه، والتَّنوينُ يُميِّزُ بين الاسم والفعل، ألا ترى أنك تقول: تفعَلُ فلا تجد التنوين يدخلُها ، وألا ترى أنك تقول: رأيتُ يَدَكَ، وهذه يَدُكَ، وعَجبتُ من يَدِكَ فتُعرب الدالَ وتطرح التَّنوينَ.

ولو كان التنوينُ هو الإعراب لم يسقط.

فأما قوله: " فَمَوان " فإنه جعل الواو بدلاً من الذاهبةِ. فإن الذاهبةَ هي هاء وواو، وهُما إلى جنب الفاء ودخلَتْ الميمُ عِوضاً منهما. والواو في " فَمَوَين " دَخَلَتْ بالغَلَط، وذلك أنَّ الشاعر، يَرَى ميماً قد أُدخلت في الكلمة فيَرى أن الساقطَ من " الفم " هو بعد الميم فيُدخل الواو مكانَ ما يظُنُّ أنّه سقَطَ منه ويغلَطُ.

قال الخليل: إعلم أنَّ الحروف الذُلْقَ والشَّفَوِيَّةَ ستَّة وهي: ر ل ن، ف، ب، م، وإنَّما سُمِّيَتْ هذه الحروف ذُلْقا لأن الذلاقة في المنطق إنّما هي بطَرَف أَسَلة اللَّسان والشفتين وهما مَدْرَحتا هذه الأحرف الستة، منهما ذليقة " 11 " ر ل ن، تخرج من ذَلْقَ اللسان من طَرَف غار الفم " 12 " وثلاثة شفوية: ف ب م، مخرجها من بين الشَّفَتيْن خاصة، لا تعمَلُ الشَّفتان في شَيء، من الحُرُوف الصَّحاح إلاَّ في هذه الأحرف الثلاثة فقط، ولا ينطلق اللَّسانُ إلا بالرَّاء والّلام والنون.

وأما سائر الحروف فإنَّها ارتفعَتْ فوق ظهر اللَّسان من لَدُنْ باطِن الثنايا من عند مَخْرَجْ التاء إلى مخرج الشين بين الغارِ الأعلَى وبين ظَهْر اللَّسان. ليس للَّسان فيهِنَّ عَمَلُ كثُر من تحريك الطبقتين بهنَّ، ولم ينحرفْنَ عن ظهر اللَّسان انحراف الرَّاء والّلام والنَّون.

وأمَّا مَخْرَج الجيم والقافِ والكافِ فمن بين عُقدة اللَّسان وبين اللَّهاة في أقصى الفَم.

وأما مَخْرَجُ العَيْنِ والحاء والهاء والخاء والغين فَالْحَلْقُ.

وأمّا الهَمْزة فَمَخْرَجُها من أقصَى الحَلْق مَهْتُوتة مضغوطَة فإذا رُفِّه عنها لانت فصارت الياء والواو والألف عن غير طريقة الحُروفِ الصَّحاح.

فلمَّا ذَلَقَتِ الحُروفُ السِّتَّةُ، ومَذَلَ بِهِنَّ اللِّسان وسَهُلَتْ عليه في المَنْطِقِ كَثُرَتْ في أَبنِيَةِ الكلام، فليس شَيْءٌ من بِناء الخماسيِّ التَّامِّ يَعْرَى منها أو من بعضها.

قال الخليل: فإن وَرَدَتْ عليك كلمة رباعيَّة أو خماسيَّة معرَّاة من حروف الذَلَق أو الشفوية ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك فاعلم أنَّ تلك الكلمة مُحْدَثة مُبْتَدَعة، ليست من كلام العرب لأنك لست واجداً من يسمع من كلام العرب كلمة واحدة رباعيَّة أو خماسيَّة إلاَّ وفيها من حروف الذَلَق والشفوية واحد أو اثنان أو أكثر.

قال الليث: قلت: فكيف تكون الكلمة المولدة المبتدعة غير مشوبة بشيء من هذه الحروف؟ فقال: نحو الكَشَعْثج والخَضَعْثَج والكَشَعْطَج وأشباهِهِنَّ، فهذه مولَّدات لا تجوز في كلام العرب، لأنه ليس فيهن شيء من حروف الذَلَق والشفوية فلا تَقْبَلنَّ منها شيئاً، وإنْ أشبَهَ لفظهم وتأليفهم، فإن النحارير منهم ربَّما ادخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللَّبس والتَعنُّيت.

٢ / ٧١٦