كتاب العين (نسخة موقع الوراق) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

كتاب العين (نسخة موقع الوراق)

الجزء ١ · صفحة ٣

وأما البناءُ الرباعيُّ المُنبَسطِ فإنَّ الجُمهور الأعظم منه لا يَعْرَى من الحروف الذُلْق أو من بعضها، إلاَّ كلمات نحوا من عشر كئن شواذَّ.

ومن هذه الكلمات: العَسْجَدُ والقَسْطوس والقُداحِس والدُعشُوقةُ والهُدْعةُ والزُهْزُقَةُ وهي مُفَسَّرة في أمكنتها.

قال أبو أحمد حمزة بن زرعة هي كما قال الشاعر:

ودُعشوقة فيها تَرَنَّحَ دَهْثَم … تعشَّقْتُها ليلا وتَحْتي جُلاهِقُ

وليس في كلام العَرَب دُعْشوقة ولا جُلاهِق، ولا كلمة صَدْرُهَا " نَرَ " وليس في شيء من الأَلْسن ظاءً غير العربية ولا من لِسانٍ إلا التَنُّور فيه تَنُّور.

وهذه الأحرف قد عَرينَ من الحروف الذُلْق، ولذلك نَزَرْنَ فَقَلَلْنَ. ولولا ما لزمَهُنَّ من العين والقاف ما حَسُنَّ على حال.

ولكن العين والقاف لا تدخلان في بناء إلا حَسَّنَتَاه، لأنهما أطلق الحروف وأضخمها جَرْسا.

فإذا اجتمعا أو أحدهما في بناء حَسُنَ البناء لنَصاعتهما، فإنْ كان البناءُ اسماً لَزِمَتْهُ السِّين أو الدَّال مع لزوم العَيْن أو القاف، لأن الدَّال لانَتْ عن صلابة الطَّاء وكزازتها، وارتَفعت عن خُفُوت التّاء فَحَسُنَتْ.

وصارت حالُ السِّين بين مَخْرَجِ الصَّاد والزاي كذلك، مهما جاء من بناء اسم رباعي مُنْبَسِط معرّى من الحُرُوف الذُلْق والشَّفَويَّةِ فإنّه لا يَعْرَى من أحدِ حَرْفَي الطَّلاقةِ أو كليهما، ومن السين والدال أو أحدهما، ولا يضُرُّ ما خالف من سائر الحروف الصُتْم. فإذا ورد عليك شيء من ذلك فانظر ما هو من تأليف العرب وما ليس من تأليفهم نحو: قَعْثَجْ ونَعْثَج ودَعْثَج لا يُنسَب إلى عربية ولو جاء عن ثِقَة لم يُنْكَر ولم نَسْمَع به ولكن ألَّفناه ليُعَرف صحيحُ بناءِ كلام العرب من الدخيل وأمّا ما كان من رباعيَّ منبسط مُعرَّى من الحروف الذُلق حكاية مؤلفة نحو: دَهداق وزهزاق وأشباهه فإن الهاء والدال المتشابهَتَيْن مع لُزوم العين أو القاف مُستحسَن. وإنما استحسنوا الهاء في هذا الضرب للينها وهشاشتها. وإنما هي نَفَس. لا اعتياص فيها.

وإن كانت الحكاية المؤلفة غير مُعَّراة من الحروف الذُلْق فلن يضُرَّ كانت فيها الهاء أو لا نحو: الغَطمطة وأشباهها. ولا تكون الحكاية مؤلفة حتى يكون حرف صدرها موافقا لحرف صدر ما ضُمَّ إليها في عَجْزها، فكأنَّهم ضمُّوا " د ه " إلى " د ق " فألَّفوهما، ولولا ما جاء فيهما من تشابه به الحرفين ما حَسُنت الحكاية فيهما لأنَّ الحكايات الرباعيات لا تخلو من أن تكونَ مُؤلَّفة أو مُضاعَفة.

فأمَّا المُؤلَّفةُ فعلى ما وصَفْتُ لك وهو نَزْر قليل، ولو كان الهُعْخُع من الحكاية لجاز في قياس بناء تأليف العرب، وإن كانت الخاء بعد العين، لأن الحكاية تحتمل من بناء التأليف ما لا يحتمل غيرها بما يُريدون من بيان المَحكيّ.

ولكن لمّا كان الهُعْخُعُ، فيما ذَكَرَ بعضُهم اسماً خاصّاً، ولم يكن بالمعروف عند أكثرهم وعند أهل البَصَر والعلم منهم ردّ ولم يُقْبَلْ.

وأما الحكايةُ المُضاعفَة فإنها بمنزلة الصَّلْصلة والزَّلْزِلَةِ وما أشبهها يتوهمون في حُسن الحركة ما يتوهمون في جَرْس الصوت يضاعفون لتستمر الحكاية في وجه التصريف.

والمضاعف في البيان في الحكايات وغيرها ما كان حرفا عجزه مثل حَرْفَي صدره وذلك بناء يستحسنه العَرَبُ فيجوز فيه من تأليف الحروف جميع ما جاء من الصحيح والمعتلّ ومن الذُّلْقِ والطُّلْق والصُّتْم، وينسب إلى الثنائي لأنه يضاعفه، ألا تَرى الحكايةِ أنّ الحاكي يَحكي صَلصلة اللجام فيقول صَلْصَلَ اللّجَام، وإن شاء قال: صَلَّ، يُخّفِّفُ مرّة اكتفاء بها وإنْ شاء أعادها مرتين أو أكثر من ذلك فيقول: صل، صَل، صَل، يتكلّف من ذلك ما بدا له.

ويجوز في حكاية المضاعَفة ما لا يجوز في غيرها من تأليف الحروف، ألا تَرَى أنّ الضَّادَ والكاف إذا أُلِّفَتَا فبُديء بالضَّادِ فقيل: " ضك " كان تأليفا لم يحسُن في أبنية الأسماء والأفعال ألا مفصولا بين حَرْفَيه بحرف لازم أو أكثر من ذلك الضَّنْك والضحك وأشباه ذلك.

وهو جائز في المضاعف نحو الضَّكضاكة من النساء. فالمضاعَفُ جائز فيه كل غَثّ وسَمين من الفصول والأعجاز والصُّدور وغير ذلك.

٣ / ٧١٦