كتاب العين (نسخة موقع الوراق) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي

كتاب العين (نسخة موقع الوراق)

الجزء ١ · صفحة ٤

والعربُ تشتَقُ في كثير من كلامها أبنية المُضاعَف من بناء الثلاثي المُثقَّل بحَرْفَيْ التضعيف ومن الثلاثي المعتلّ، ألا ترى أنَّهم يقولون: صلَّ اللّجَامُ يَصِلُّ صليلا، لو حَكَيتَ ذلك فُلْتَ: صَلَّ تَمُدُّ اللام وتثقّلها، وقد خَفَّفتَها في الصلصلة وهما جميعا صوت اللّجَامُ، فالثِّقَل مدٌّ والتضاعُف ترجيعٌ يَخِفُّ فلا يتمكّن لأنّه على حَرفين فلا يتقدَّر للتصريف حتى يُضَاعَفَ أو يُثَقَّل فيجيءُ كثير منه مُتَّفقا على ما وصفت لك، ويَجيء منه كثير مختلفاً نحو قولك: صَرَّ الجُنْدُب صريرا وصَرْصَرَ الأخطَبُ صَرْصَرَة، فكأنّهم تَوَهَّموا في صوت الجُنْدُبِ مَدّا وتَوَهّموا في صوت الأخطب ترجيعا. ونحو ذلك كثيرٌ مختلِفٌ.

وأمّا ما يشتقّون من المضاعف من بناء الثلاثيّ المعتلّ، فنحو قول العجاج:

ولو أَنَخْنَا جَمْعَهُم تَنَخْنَخُوا

وقال في بيت آخر:

لِفَحلنا إنْ سَرَّه التَنُوُّخُ

ولو شاء قال في البيت الأول ولو أنَخْنا جَمْعُهم تَنوّخُوا ولكنّه اشتقّ التنوُّخ من تنوَّخناها فَتَنَوَّخَتْ، واشتقَّ التَّنَخْنُخَ من أنَخْنَاهَا، لأنّ أناخ لمّا جاءَ مُخَفَّفا حَسُن إخراج الحرف المعتلّ منه، وتضاعُف الحرفَيْن الباقيين في تَنَخْنَخْنا تَنَخْنُخاً، ولما ثُقِّلَ قَويت الواو فَثَبَتَتْ في التنُّوخ فافهَمْ.

قال اللّيث: قال الخليل: في العربية تسعة وعشرونَ حَرْفا: منها خمسة وعشرونَ حَرْفاً صِحَاحا لها أحياناً ومدارج، وأربعة أحرف جُوْف وهي: الواو والياء والألف اللَّينَة والهمزة، وسُمِّيَتْ جوفاً لأنها تَخْرُجُ من الجوف فلا تَقَعُ في مدرجة من مدارِج الَّلسان، ولا من مدارِج الحَلْق، ولا من مدرِج اللهاة، إنَّما هي هاوية في الهواء فلم يكن لها حَيز تُنسب إليه إلا الجَوْفَ. وكان يقول كثيرا: الألِفُ اللَّينَةُ والواو والياءُ هوائية أي أنها في الهواء.

قال الخليل: فأقصي الحروف كلها العين ثم الحاء ولولا بَحَّة في الحاء لأَشْبَهَت العْيَن لقُرْب مَخْرَجها من العَيْن، ثم الهاء ولولا هَتَّة في الهاءِ، وقال مَّرة " ههّة " لأَشْبَهَت الحاء لُقْرب مَخْرَج الهاء من الحاء، فهذه ثلاثة أحرف في حَيِّز واحد بعضُها أرفع من بعض ثم الخاءُ والغَيْن في حيِّز واحد كلَّهُنَّ حلقية، ثم القاف والكاف لهَويتان، والكاف أرفع ثم الجيم والشين والضاد في حيِّز واحد، ثم الصّاد والسِّين والزَّاء في حيِّز واحد، ثم الطاء والدّال والتّاء في حيزِّ واحد، ثم الظاء والذال والثاء في حيِّز واحد، ثم الراء واللام والنون في حيّز واحد ثم الفاءُ والباءُ والميمُ في حيِّز واحد ، ثم الألفُ والواو والياءُ في حيِّزٍ واحد والهمزة في الهواء لم يكن لها حيِّز تُنْسَب إليه.

قال الليث: قال الخليل: فالعين والحاء والخاء والغَيْن حَلْقيّة، لأن مبدأها من الحَلْق، والقاف والكاف لَهَوِّيتانِ، لأنَّ مَبْدَأهُما من اللّهَاة. والجيم والشِّين والضاد شّجْريّة لأن مَبْدَأها من شجْر الفم. أي مَفرج الفَمِ، والصاد والسين والزاء أسلية، لأنَّ مبدأها من أسلة اللّسان وهي مُستدَقّ طرف الّلسان. والطاء والتاء والدال نِطْعيَة، لأنّ مبدأها من نطع الغار الأعلى.

والظاّء والذّال والثّاء لَثِويّة، لأنّ مَبْدَأها من الِّلثة. والرّاءُ واللاَّم والنُّون ذَلَقيّة، لأنّ مَبْدَأهَا من ذَلَق اللّسان وهو تحديدُ طَرفَي ذلق اللّسان.

والفاء والباء والميم شَفَويّة، وقال مّرةً شَفَهيّة لأن مبدأها من الشَفَة. والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حَيِّز واحد، لأنّها لا يتعلّق بها شيء، فُنسِبَ كل حرف إلى مَدْرَجَتِه ومَوْضِعُه الذي يَبْدَأ منه.

وكان الخليل يُسّمِّي الميم مُطْبَقة لأنّها تطبِق الفم إذا نُطِقَ بها، فهذه صورة الحُرُوف التي أُلِّفَتْ منها العربية على الولاء، وهي تسعة وعشرون حرفاً: ع ح ه خ غ، ق ك، ج ش ض، ص س ز، ط د ت، ظ ذ ث، ر ل ن، ف ب م، فهذه الحروف الصحاح، و ا ي ء فهذه تِسعة وعشرون حرفا منها أبنيةِ كلامِ العربِ.

قال اللّيث: قال الخليل:

٤ / ٧١٦