[36] بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُّنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ}
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨881) … وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُّنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ وَذَكَرْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ لأَنَّهُمْ سَأَلُوا إِنْزَالَهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ مِنَ الْعَرْشِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ لَكَانَ قَوْلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الاَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا … ﴾ الآية يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فِي الأَرْضِ دُونَ السَّمَاءِ، لأَنَّ الإِخْرَاجَ مِنَ الأَرْضِ كَالإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ الأَرْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُقَدِّرُ لِلأَشْيَاءِ عَلَى مَا أَرَادَ، فَمِنْهَا مَا يُقَدِّرُهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْهَا مَا يُقَدِّرُهُ مِنَ الأَرْضِ، فَهُوَ الْمُنْشِئُ لِذَلِكَ وَالْمُدَبِّرُ لَهُ جَلَّ جَلاَلُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ. وَمَعْنَى مَسْأَلَةِ الْحَوَارِيِّينَ مِنَ السَّمَاءِ لأَنَّ ذَلِكَ أَدَلُّ لِلْخَلْقِ وَأَعْظَمُ لِلإِجَابَةِ، وَأَوْضَحُ لِلدَّلاَلَةِ(1)،
لأَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى لاَ يَقْدِرُ الْخَلْقُ أَنْ يَدَّعُوهُ، لاَ سَاحِرٌ وَلاَ كَاهِنٌ، فأَرَادَ الْقَوْمُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا لاَ يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَنِ ادِّعَائِهِ، وَلَيْسَ فِي تَدْبِيرِ الْمُنْشِئِ مِنْ مَوْضِعٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذْ سَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ ﴿ … مِمَّا تُنبِتُ الاَرْضُ مِن بَقْلِهَا … ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الأَرْضِ دُونَ السَّمَاءِ، وَلكَانَ قَوْمُ
(1) / خ: للآية ..