باب في حفظ مال المسلم
الجزء ٢٣ · صفحة ١٠٢الْمُلْتَقِطَ غَرَامَتُهُ لِلْمَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْطِيهَا مُلْتَقِطُهَا مَنْ جَاءَهُ بِعَلَامَتِهَا بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ لَا يُعْطِيهَا إيَّاهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، لِأَنَّهَا مَالٌ مَمْلُوكٌ ؟ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، رَخَّصَ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ الْإِتْيَانُ بِعَلَامَتِهَا مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْحَدِيثِ إذْ قَالَ فِيهِ مَا حَاصِلُهُ : إذَا جَاءَك صَاحِبُهَا بِعَلَامَتِهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْحَدِيثِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ : ﴿ فَإِنْ جَاءَك أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ عَلَى الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ﴾ وَبِهِ نَقُولُ نَحْنُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا تُدْفَعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الصِّفَةِ إلَّا لِثِقَةٍ ، وَالصَّحِيحُ دَفْعُهَا لِكُلِّ آتٍ بِصِفَتِهَا مَا لَمْ يَرِبْ .
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ : يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ عَلَى الْوَصْفِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَالًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ﴿ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ﴾ ) ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالدَّفْعِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْإِبَاحَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِهَا وَجَبَ الدَّفْعُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ ، وَلَوْ أَقَامَ مَعَ الْوَصْفِ شَاهِدًا بِهَا فَإِنْ قَالَ لَهُ : يَلْزَمُك تَسْلِيمُهَا إلَيَّ فَلَهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهُ الْحَلِفُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَالَ : تَعْلَمُ أَنَّهَا مِلْكِي فَلَهُ الْحَلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ، لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ الدَّفْعَ إلَيْهِ إنْ ظَنَّ صِدْقَهُ فِي وَصْفِهِ لَهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ ، وَلَا يَجِبُ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ مُدَّعٍ ، فَيَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ صِدْقَهُ لَمْ يَجُزْ