باب في حفظ مال المسلم
الجزء ٢٣ · صفحة ١١٤وَلَا يَأْخُذُ لُقَطَةَ الْحَرَامِ وَلَا مَتْرُوكَهُ وَكَذَا الرِّيبَةُ سَوَاءٌ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالطِّفْلُ ، فَإِنْ اسْتَمْسَكَ بِذَلِكَ صَاحِبُهُ بَعْدُ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ سَوَاءٌ مَا قَامَتْ عَيْنُهُ أَوْ مَا جَرَّ مِنْ ثَمَنِهِ وَنَمَائِهِ ا هـ وَنُهِيَ عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ حَنْبَلٍ فِي لُقَطَةِ مَكَّةَ : هِيَ كَغَيْرِهَا ؛ وَقِيلَ : لَا تَحِلُّ أَلْبَتَّةَ وَلَا نِهَايَةَ لِإِنْشَادِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَّا لِمُنْشِدِهَا ، فَقِيلَ : إلَّا لِمُسْمِعٍ بِهَا يَأْخُذُهَا لِيَرُدَّهَا لِصَاحِبِهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا لِيُعَرِّفَهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا أَخَذَهَا ؛ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ بَلْ يُعَرِّفُهَا عَلَى الدَّوَامِ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْبِلَادِ كَذَلِكَ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ ، قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ : يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ بِهَا أَنْ يُقِيمَ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِإِمْكَانِ إيصَالِهَا إلَى رَبِّهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِمَكِّيٍّ فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لِآفَاقِيٍّ فَلَا يَخْلُو أُفُقٌ غَالِبًا مِنْ وَارِدٍ إلَيْهَا فَإِذَا عَرَّفَهَا وَاجِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍ سَهُلَ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهَا ، وَقَالَتْ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنِيرِ جَدُّ الدَّمَامِينِيِّ بِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ نَفَى الْحِلَّ وَاسْتَثْنَى الْإِنْشَادَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ لِلْمُنْشِدِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
وَقَدْ اسْتَحَبَّ ابْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَرْكَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ إلَّا أَنْ يُعَرِّفَ مَالِكُهَا لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعُمَّ الْخَلَائِقَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ بِتَعْرِيفِهَا ،