باب في الدعوى في المعاملات
الجزء ٢٦ · صفحة ٣١٧وَالْبَيِّنَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَرْجِعُ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِرِضَاهُمَا مَعًا ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَّا يَحْلِفُ وَتَرَكَ الْحَلِفَ الَّذِي هُوَ خَلَاصٌ لَهُ وَرَدَّهُ إلَى الْمُدَّعِي وَقَبِلَهُ الْمُدَّعِي عَنْهُ فَحَلَفَ أَنَّ مَا إذَا ادَّعَيْتُهُ عَلَيْكَ صَحِيحٌ جَازَ ذَلِكَ ، فَلَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغُرْمُ .
أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ إذَا تَرَكَهَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَوْ الْتَزَمَ فِيهَا مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ شَيْءٌ جَازَ ، ثُمَّ رَأَيْتُ قَيْدَ الرِّضَا فِي الدِّيوَانِ " ، وَهَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ يُجِيزُ رَدَّ الْيَمِينِ بِرِضَا الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا أُحَوِّلُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذْ قَالَ : ﴿ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ﴾ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : لَيْسَ هَذَا تَعَبُّدًا بَلْ أَمْرٌ لَهُ عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ هِيَ إرْهَابُ الْمُنْكِرِ إنْ كَذَبَ وَخَلَاصُهُ ، فَإِنْ رَضِيَا بِوَجْهٍ آخَرَ جَازَ ، أَلَا تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْيَمِينَ لَقُبِلَ عَنْهُ وَلَمْ يُضْطَرَّ لِلْيَمِينِ ، وَلَوْ سَامَحَهُ الْمُدَّعِي وَتَرَكَ لَهُ الْيَمِينَ أَوْ صَالَحَهُ لَمْ يُضْطَرَّ لِلْيَمِينِ ، وَذَكَرُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الدِّيوَانِ " ، وَيُسَمَّى رَدُّ الْيَمِينِ قَلْبًا وَانْقِلَابًا وَرُجُوعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ ، هَلْ تَلْزَمُ الْمُدَّعِي ؟ وَحَكَى ابْنُ بَرَكَةَ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا عَلَى رَدِّهَا إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إذْ قَالَ : قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ الْحَقُّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ بَعْضٌ ، وَهُوَ كَالشَّاذِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ يَحْلِفُ أَوْ يَعْتَرِفُ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ ، لِأَنَّ طَاعَةَ الْحَاكِمِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ يَعْصِي بِتَرْكِهَا ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْذُرُهُ