باب في الدعوى في المعاملات
الجزء ٢٦ · صفحة ٣١٨عَنْ أَنْ لَا يَعْتَرِفَ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَدْرَأَ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ بِيَمِينٍ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : ﴿ وَلِيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ ، كَذَلِكَ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ ، إمَّا الِاعْتِرَافُ وَإِمَّا الْيَمِينُ .
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَوَافَقَهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَدَّهَا إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، قَالَ : فَإِنْ قَالَ مَنْ لَمْ يُرِدْ الْيَمِينَ : خَالَفْتُمْ حَدِيثَ : ﴿ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ ﴾ ، قُلْنَا : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اخْتَارَهَا ، وَإِنْ اسْتَعْفَى أَنْ يُعْطِيَ وَيَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَلَهُمَا ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْمُدَّعِي صِدْقَ نَفْسِهِ ، وَلَمَّا ﴿ اعْتَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ النَّاسُ يَعُودُونَهُ وَكَانَ شَادًّا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ فَجَلَسَ وَقَالَ : مَعَاشِرَ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي عَلَيَّ حَقًّا أَوْ مَظْلَمَةٌ مِنْ مَالٍ يَلْزَمُنِي أَوْ حَقٍّ فِي يَدِي ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ مِنِّي ، أَوْ قَالَ : أُقْرِضْتَ مِنِّي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي سَرَاوِيلَ اشْتَرَيْتَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَمَّا إنِّي أُصَدِّقُكَ وَلَا أُحَلِّفُكَ ، وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ : ادْفَعْ إلَيْهِ ﴾ ، فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فَقَدْ عَلِمْنَا بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِنْ قُلْتَ : مَا الْوُجُوهُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ ؟ قُلْتُ : قَالُوا فِي الدِّيوَانِ " : وَيَرْجِعُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْمَعْلُومِ كُلِّهِ مِنْ التَّعَدِّيَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ ، أَيْ مِمَّا فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْيَمِينِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْعَفْوِ .
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرُدَّ خَلِيفَةُ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي لِمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ مِمَّا يُدْرِكُ عَلَيْهِ