01 افتتاحية العدد
الجزء ٢ · صفحة ١١كنَّا كلمة واحدة كما أمر الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾.
كونوا جميعًا يا بنيَّ إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرَّقوا آحادَا
تأبى العصيُّ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا وإذا افترقن تكسَّرت أفرادَا
هذا الذي استساغه الأوائل طعما لذيذا للحياة، واستظهره الأماجد دربا قويما إلى الممات، فدانت لسلطانهم عروشُ الطغاة راغمةً، ودالت لدولتهم أباطرة العتاة دامغةً، فأبدلوا النفس من بعد خزيها فضلا، وأحيَوا القلب من بعد موته بذلا، وملؤوا الأرض بعد قهرها عدلا، فعاشوا للأنام قوادا، وصاروا للأقوام روَّادا، فاستبشرت بها البلاد إذا حلُّوا، واستنصرت بهم العباد إذا ذلُّوا، فأكرم بهم نفوسا طموحة، وأعظم بهم قلوبا طفوحة، فما ساسوا بغير السماحة الأنام، ولا رادوا بغير الصراحة الأقوام، فما عرفوا للظلم تملُّقا، ولا ألفوا للإفك تشدُّقًا، ولا أوجفوا للصفِّ تفتُّقا، تلكم مآثر أولئك الآباء الأحساب، لقد استمسكوا بعروتها ترقُّبا ليوم الحساب، وسدُّوا ابتغاء النصر دونها كلَّ الأسباب، فانهزمت بين أيديهم جموع الأحزاب، وعاشوا بها غرة في جبين الدهر مدى الأحقاب، وتفيؤوا بها أفانين الجنان والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب.
فهلاَّ كانت لنا معشر شباب الإسلام من نومتنا يقظة، ومن غفلتنا فطنة، ومن عثرتنا وقفة، وقد بدت تباشير الصبح بالبلج، ودياجير الفتن بالفرج، فهلمُّوا إلى محراب الإيمان راكعين، وأقدموا إلى رياض المعارف كارعين، وأقبلوا إلى رحاب الحيِّ القيوم ضارعين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فأحسنوا الظنَّ بالله، وأكرموا الأمة متحلين بخلق الله، وصونوا الوداد معتصمين بحبل الله، وزينوا الرسالة مستلهمين الأسوة من رسول الله.
هي إذا أهدافٌ عليا تربط علماء الأمة في مغرب شمس البلاد الإسلامية بمطلعها؛ قاسمهم المشترك في جهادهم العلمي ابتغاءُ مرضاة الله، وغايتهم المثلى من نضالهم المعرفي التمكينُ لدين الله، وغرضهم الأسمى من تشييدهم صروحَ المعرفة الرفعُ من لغة كتاب الله، وآمالهم العظمى من كفاحهم التربويِّ تنشئةُ أجيال صالحة تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتسعد نفوسهم يوم لقاء الله، فهذا الشيخ بيوض رحمه الله يقول في مهرجان ختم التفسير سنة 1401هـ/1980م ما قاله قبله زميله في الإصلاح الشَّيخ عبد الحميد بن باديس، يوم ختم تفسيره بالجامع الأخضر بقسنطينة سنة: 1357هـ/ 1339م: إنَّنا والحمد لله نربِّي تلامذتتا على القرآن من أوَّل يوم، ونوجِّه أنفسهم إلى القرآن في كلِّ يوم، وغايتنا التي ستحقَّق إن شاء الله، أن يكوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرِّجال القرآنيِّين تعلِّق هذه الأمَّة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها. ونحن الخلف إنَّما نجني ثمار ما غرسه السلف، ولكنَّنا نحن الأحفادَ نتفيَّأ ظلال الدَّوح الذي أقامه الأجداد. وصدق الله العظيم {هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي