01 افتتاحية العدد
الجزء ٢ · صفحة ١٢لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)} وصدق النبيء المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه». فاللَّهمَّ لا تدركنا زمانًا لا يتَّبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)﴾.
إنَّ صدور هذا العدد الجديد من مجلة الحياة لَيتزامن هذا العام مع مرور تسعين سنة على تأسيس معهد الحياة العتيد الذي كان في شهر شوال سنة 1343 هـ، وإنَّها لمناسبة سعيدة تذكرنا بالمدَّة الطويلة التيِّ عاشها هذا المعهد العتيق، والأمجاد التليدة التيِّ حقَّقها هذا المَعلَم العريق، في مسيرته العلمية الرائدة التيِّ أنجبت عباقرة الفكر، وحركته الإصلاحية الخالدة التيِّ أنتجت جهابذة الذكر، ولا يزال المعهد واثق الخطى في درب النجاح، ثابت الجأش في سبل الفلاح، وهذا ما يشهد به القاصي والداني، بتطوُّر مناهجه، وتنوُّع معارفه، وتمسُّك مريديه بأصالة مبادئه، وتفوُّق أبنائه بتحسُّن نتائجه، فها هو ذا المعهد يحدِّثك أيُّها القارئ الكريم بلسان حاله فاستمع لما يوحى:
استسمحك في الذكرى التسعين من عمري، أن أعبِّر لك عن جزيل شكري، وأحبِّر لك عن جليل فخري، وأنت تتصفح بإمعان سنوات هذا العمر المجيد، الذي يدلُّك على مخبر وجداني الذي عنه لن أحيد، في هذه المناسبة الفريدة، من عمر هذه الأمة المجيدة، تخليدا لذكر الصالحين من الآباء، وتمجيدا لنصر من كان ديدنهم الوفاء، منهم من قضى نحبه إلى الملإ الأعلى منتسبا، ومنهم من ينتظر في طلب العلا محتسبا، نفوسًا مطمئنة تبتغي إلى ربِّها الوسيلة، وشموسا مشرقة تنير للأنام درب الفضيلة، أفنوا أعمارهم في ربوع رحابي العامر، وأثنوا بخلالي في آفاق الفلك السائر، وتغنَّوا بذكري في أعماق الذكر الغامر، وفاء لعهود قطعوها لربِّهم صدوقة، فكانت لهم منه المنَّة و الرضا حقيقة، ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)﴾.
قد تتساءل حِبِّي الوفيِّ عن جميل الذكر الذي نالني، وتتفاءل خلِّي الأبيِّ بسليل المجد الذي زانني، وقد غمرت نفسَك في سرور ربوعُ مهد الحياة، و غشيت قلبَك في حبور تسميَّة معهد الحياة، التيِّ لم تذق لغيرها من التسميات طعما سويّا، ولم تَرُقْ لسواها من المؤسسات سميَّا، فينتابُك وأنت في طفرة من الفرح ما يحيِّر نوازع قلبك وقد انقضى من عمري كل هذا العدَّ الغفير، ويرتابك وأنت في غمرة من المرح ما يثير مكامن نفسك طلبا لاستجلاء سرَّ هذا التفوُّق المنقطع النظير.
إنَّني أنصحك ـ ومن شيمتي النصح لكلِّ من يعتب بابي، وأرشدك ومن ديدني الرشد لكلِّ من يستجدي ثوابي ـ ألاَّ تغرَّك الجدران الموقوفة مهما رُفعت، وألاَّ تفتنك الأقسام المصفوفة مهما زُخرفت، وألاَّ تستفزَّك الأفنية المحفوفة مهما فُرِشَت،