09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٢٦ويقول ابن رشيق (ت456هـ): «الاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتدارا … »(1) لأن الاستعارة من حلى الكلام ومحاسنه، خاصة إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها المناسب للمعنى، وتوظيفها في الشعر أو النثر عند العرب يوحي باقتدارهم البلاغي، وتفوقهم البياني ومن ثم «لا بد أن يؤدي المجاز معنى لا تؤديه الحقيقة وإلا كانت هذه أولى بالاستعمال»(2) والتعبير الاستعاري أفضل المجاز ــــ حسب رأي البلاغيين ـــــ وهو ما نلمسه في ايحاءاته وتشخيصه للمعاني حتى تصبح وكأننا نراها ماثلة أمام أعيننا، والمجاز بما فيها من اتساع في المعنى يعطي الألفاظ دلالات جديدة ويجدد فيها الحياة وينفي عنها الرتابة والجمود «ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمن ما لا تتضمنه الحقيقة من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالا»(3).
ومن الشواهد المأثورة في التراث والمبينة مدى تأثير كلام الله تعالى في النفوس قول الوليد بن المغيرة: «والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق»(4).
ولم يكن هذا الوصف ليصدر عن رجل كان معاديًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللدعوة المحمدية لولا أن القرآن أحدث أثره النفسي القوي في مَنْ سمعه وأدرك فحوى معانيه.
وإن تأثير كلام الله عز وعلا سواء أ كان على مستوى الحقيقة أو المجاز قوي لذلك كان «مدار الدراسات البلاغية … وآياته البينات الشاهد البلاغي الرفيع وكانت إحدى آياته مدعاة(5) إلى أن يؤلف أبو عبيدة " مجاز القرآن " … »(6).
ومن أنواع المجاز التي أولاها عبد القاهر الجرجاني بالدراسة والشرح الاستعارة حيث يقول فيها أنها «أملأ بكل ما يملأ صدرا، ويمتع عقلا، ويؤنس نفسا، ويوفر أنسا، … وأنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، … »(7) فقد جمع عبد القاهر مزايا التعبير الاستعاري ومدى تأثيره في النفس والعقل من أنها تمتع العقل وتؤنس النفس وتمد مريد البلاغة بالدرر من الأفكار والمعاني، ولعلّ أبرز ما جاء به عبد القاهر الجرجاني على هذا الصعيد أنه جعل للتعبير الاستعاري بعدا نفسيا يساعد على ترسيخ المعنى في نفس المتلقي وتأكيده.
«وإن الصورة المعتمدة على الاستعارة تقوم أساسا على رافعتين: المستعار منه الذي هو أصل وأساس في الصورة الاستعارية والمستعار له وهو فرع وكما تأتي الصورة الاستعارية على قدر من الإبلاغية والتأثير النفسي فلا بد من جعل المستعار منه أقوى في صفاته من المستعار له والذي نريده لهذه الصفات أن تلتصق به أي بالمستعار له .. »(8) ويضيف عبد القاهر الجرجاني متحدثا عما للاستعارات من أهمية في القول حيث من خلالها «نرى الجماد حيا ناطقا والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة والمعاني الخفية بادية جلية»(9)،وقد أكد عبد القاهر على أهمية الذوق وإحساس النفس في إدراك البلاغة حيث قال: «المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث له علما بها حتى يكون مهيئا لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا»(10).
ومن أمثلة الآيات القرآنية والمتضمنة تعابير استعارية مؤثرة، قوله تعالى: ژ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ژ(11).
«وهذه استعارة والمراد بها ـــ والله أعلم ــــ أولي القوة في العبادة والبصائر في الطاعة ولا يجوز أن يكون المراد بالأبصار ههنا الجوارح والحواس لأن سائر الناس يشاركون
(1) -ابن رشيق، العمدة، دار الجيل، بيروت، ج 1، ص 274.
(2) -حمادي صمود، التفكير ا البلاغي عند العرب، المطبعة الرسمية، تونس، ص 229.
(3) -أبو هلال العسكري، الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي و محمد أبو الفضل ابرهيم، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1986، ص 274.
(4) -شرح لفظ مغدق: غ د ق الماء (الغدق) بفتحتين: الكثير، وقد غدقت عين الماء أي غزرت، في مختار الصحاح، ص 302.
(5) -الآية هي قوله تعالى: « … طلعها كأنه رؤوس الشياطين» من سورة الصافات - الآية 65.
(6) -أحمد مطلوب وكامل حسن البصير، البلاغة والتطبيق، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، ط1، 1982، ص 19.
(7) -عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، صححه وعلق عليه محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص 32، 33.
(8) -سمير أبو حمدان، الإبلاغية في البلاغة العربية، منشورات عويدات الدولية، بيروت، ط1، 1991، ص 161.
(9) -عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 33.
(10) -أحمد مطلوب، تيسير البلاغة، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج4، 1998، ص 861.
(11) -سورة ص، الآية 45.