09 دوادي- الاستعارة القرآنية أثرها النفسي
الجزء ١٠ · صفحة ١٢٧الأنبياء عليهم السلام في خلق ذلك لهم ولا يحسن مدح الإنسان بأن له يدا وقدما وعينا وفما، وإنما يحسن أن يمدح بأن له نفسا شريفة وهمة منيفة وأفعالا جميلة وأخلاقا محمودة، وقيل أيضا أولي الأيدي أولو النعم في الدين لأن ورود اليد بمعنى النعمة مشهور في كلامهم فكأنهم أسدوا إلى الناس أيديا بدعائهم إلى الإيمان وإفلاتهم من حبائل الضلال … »(1)، «ويصف الله سبحانه وتعالى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بأنهم " أولي الأيدي والأبصار " كناية عن العمل الصالح بالأيدي والنظر الصائب أو الفكر السّديد بالأبصار، وكأن من لا يعمل صالحا لا يد له، ومن لا يفكر تفكيرا سليما لا عقل له أو لا نظر له، و إنما وظف الله سبحانه " الأيدي " و"الأبصار" بصيغة الجمع وأراد بهما حسن العمل وسداد الرأي والفكر والتبصر «فكأن الذين لا يعملون عمل الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات لا يستبصرون ولا يقدرون على إعمال جوارحهم … »(2) وهنا يظهر لنا المغزى العميق للآية وللتعبير الاستعاري الذي عبر فيه "بالأيدي " و" الأبصار " وقصد به القوة وعمل الخير وسداد الفكر فحذف ما هو عقلي غير محسوس وذكر ما هو محسوس " اليد والبصر " على سبيل الاستعارة التصريحية وإننا ولا شك ندرك مدى قوة وتأثير هذه العبارة الاستعارية حين نوظفها بأن نوبخ شخصا مقصرا أمامنا بأن نسمه بأن لا يد له ولا بصر، فسيكون وقع الكلام شديدا على نفسية الموبخ إذا كان له فعلا قلب وعقل وتبصر لذلك فإن الله سبحانه يمدح أنبياءه (إبراهيم وإسحاق ويعقوب) بأنهم أولي قوة بتوظيفهم أيديهم في عمل الخير وتقوى الله وبتوظيفهم أبصارهم لتبصر الأمور وإحكام الرأي والدعوة إلى الله بعمق العقيدة وطهارة النفس.
«وإن التعبير الاستعاري يمتلك طاقته الإبلاغية القائمة بذاتها، حتى أن الشعراء يلجأون إليه عندما يدركون أن اللغة العادية غير قادرة على نقل تجربتهم الشعورية النفسية كما أن التعبير الاستعاري، سواء في الشعر أو في النثر، يستطيع أن يكشف عن كوامن النفس وخلجاتها وبقدر لا تستطيعه اللغة العادية الخالية من ميزة الاستعارة»(3).
(1) -الشريف الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحقيق علي محمود مقلد، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، 1986، ص 261.
(2) -السيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط 16، 1990، المجلد 5، الأجزاء (19 - 25)، ص 3022.
(3) -سمير أبو حمدان، الابلاغية في البلاغة العربية، ص 163.