01 افتتاحية العدد
الجزء ٢ · صفحة ١٤على حصون العربية لغةُ العروبة والإسلام في أرجاء الوطن العربي». اهـ.
فما زادت شدَّة المضايق للنفوس إلاَّ نباتا، وما زادت ضراوة المعارك للبنيان إلاَّ ثباتا. ولكأنِّي بالحكيم الفحل أبي الطيب يعنيهم يوم رفع عقيرته مادحا سيف الدولة وهو يبني قلعته على تخوم الروم وقد حمي الوطيس، وجاد الجند بالنفس والنفيس فقال:
بناها فأعلى والقنا يَقرعُ القنا و موجُ المنايا حولها مُتلاطمُ
أتوكَ يجرُّون الحديدَ كأنَّما سَرَوا بجيادٍ ما لهن قوائمُ
فكيف تُرجي الروم و الفرس هدمها وذا الطَّعْنِ أساسٌ لها و دعائمُ
فما زلتُ منذ أن رفع «إبراهيمُ» القواعد من المعهد و «سعيد»، ولن أزال ما بقي لي قلب ينبض أو عين تطرف، توَّاقا إلى كلِّ أصالة تشدُّني بماضيَّ المورق، سبَّاقا إلى كل تفتُّح يُعدُّني لغد مشرق، مبتغيا فيما آتاني الله الدار الآخرة ولا أنسى نصيبي من الدنيا، وشعاري الخالد: «العلمُ والعمل، والدينُ والورع، والخلقُ قبل الثقافة، ومصلحةُ الجماعة قبل مصلحة الفرد ..
شبابٌ قنَّع لا خيرَ فيهمْ … وبُورِكَ في الشباب الطَّامحينَ»
و ما أجمل مقولة شاعر الرُّصافة الذي يصف حالي بقوله:
هي الأخلاقُ تنبُت كالنبات إذا سُقيت بماء المكرماتِ
تقومُ إذا تعهَّدها المربِّي على ساق الفضيلة مُثمِراتِ
وتسمو للمكارم باتِّساقٍ كما اتَّسقَت أنابيبُ القناةِ
وتُنعِشُ من صميم المجدِ رُوحًا بأزهارٍ لها مُتضوِّعاتِ
لقد أشعرتُ أبنائي بهذا الشعار، وشحنتُ قلوبهم بهذا القرار، ودثَّرت نفوسهم بهذا الدثار، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)﴾، فانطلقوا في مناكب الأرض ركبانا، ورابطوا في حلبات الكفاح فرسانا، واستبسلوا في ميادين الإصلاح أبطالا، مشايخ و علماء، أدباء و شعراء، شبابا صالحين أصلاء، فانتعشت - حيثما حلُّوا - بهم الوهاد، وازدانت - أينما كانوا - بهم البلاد، واستبشرت - كيفما ارتحلوا - بهم العباد، فكانوا كوابلٍ أصاب جنَّة بربوة فآتت أكلها ضعفين، أو كسحابة الرشيد يأتيني خراجهم حيثما أمطروا كفلين، ولا أحسب أمير الشعراء إلاَّ يعنيهم بقوله:
وهذا كغصن الربا ينثني وهذا كريح الصبا يخطرُ
إذا اجتمع الكلُّ في بقعة حسبتهمُ باقة تُزهِرُ
أو افترقوا واحدًا واحدًا حسبتهمُ لؤلؤًا يُنثَر
حتَّى أنَّه لا يصعب عليَّ أن أميَّزهم عن غيرهم، ولكنَّه يصعب عليَّ كثيرا أن أفاضل بينهم، فهم كُمَّل في عيني على تفاوتهم في مراتبهم، وسواسية في نظري على اختلافهم في مواهبهم، وما عساي أفعل وكلُّ واحد منهم يشغل جزءًا من قلبي، ولكلِّ واحد منهم قلبي كلُّه، فشأني معهم شأن أمّْ الكَمَلَة من بني عبس، وكان لها سبعة من البنين بلغوا الكمال في قومهم، فقيل لأمَّهم: أيُّ بنيك أفضل، فقالت فلان،