مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

01 افتتاحية العدد

الجزء ٢ · صفحة ١٣

فلم يكن ذاك يوما مجلى خلودي، ولا كان دوما مرقى شموخي، ولا كان حتما مسرى عروجي، إنَّها مجرَّد صدفة لجوهرة في عين اللبيب، وظرفٍ لمفخرة في عقل الأريب، فلا محالة تسلِّم بأنَّ الجوهرة أثمن من الصدف، ولا جدال تقرُّ بأنَّ المفخرة أجلُّ من الظرف، فهلاَّ ألحفت في السؤال لتتعرَّف على سرِّ هذا الذكر، وسبب هذا الخلود؟

تأمل جلياًّ معنى كلمة الحياة، وتساءل مليَّا عن مصدر هذه الحياة، وتدبَّر ولو بلغت من الكبر عتياًّ عن دلالة كلمة الحياة، إنَّها تتدلَّى بكلِّ شموخ من كلام العزيز الحكيم، وتتجلَّى بكلَّ وضوح من بين آي القرآن الكريم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فحياة معهد الحياة مُستمَدَّة من الحياة التيِّ ضمنها واهب الحياة لكلِّ من استجاب له فاستمسك بعروته الوثقى، واستجاب لرسوله و اعتصم بحبل الله واتَّقى، نابذا نجد الفناء في دار الهوان، ناشدًا مجد البقاء في دار الحيوان، وتلك لعمري دون غيرها من الأسباب التيِّ أطالت عمري في الخالدين، وخلَّدت فكري في العالمين، وأعلت ذكري في الآخرين، فعشتُ غُرَّة في جبين الدَّهر، وسموتُ تاجا على هامة العصر، وتلألأتُ ذرة بين الجيد والنحر، رغم ما انتابني من المحن والخطوب، وما توالى عليَّ من الإحن والكروب، وكم عضَّني الزمان بنابه، وقهرني المستعمر مع أذنابه، ليطفئوا نوري بأفواههم وبأيديهم، لكن ويأبى الله إلاَّ أن يتمَّ نوره ولوكره الكافرون، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)﴾.

أيُّها المتدبرِّ الحكيم عليك أن تعرف أنَّ من كان لله كان الله له، وأنَّ من كان الله معه فمن عليه، وأنَّ ما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وعليك أن تعلم أنَّ من سعادتي أن سخَّر لي رجالا أسَّسوا بنياني على تقوى من الله ورضوان مخلصين، ورفعوا مقامي بين قرع القنا وخفق البنود مستبشرين، وحموا حمايَ في سبيل الله مستبسلين، فكيف بعد هذا تظنُّ نجمي حائلا إلى أفول، أو تحسب مجدي آيلا إلى نزول، أو تزعم رونقي مائلا إلى ذبول، و قد غدا معهد الحياة ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾.

فاستمع إلى فضيلة الدكتور «عبد الكريم خليفة» رئيسِ مجمعِ اللغة العربية الأردني بعمَّان يصف شراسة المعارك التي نشأ في وسطها معهد الحياة، والجهود التي بذلها من كانوا على قيامه ساهرين إذ قال:

«معهد الحياة، أحد حصون العربية في مغرب الوطن العربي، حمل لواء العربية لغةِ القرآن الكريم، ونازل الغزاة المستعمرين الذين حاولوا القضاء على هوية الشعب الجزائري البطل، وذلك من خلال محاربة العربيةِ والقضاءِ عليها في صدور أبنائها وعلى ألسنتهم، فخرج هذا الحصن العلمي بحمد الله وتوفيقه، وبجهود مؤسِّسيه والعاملين فيه من الجلة العلماء ظافرا، ترفرف على أسواره رايات النصر، كما رفرفت

١٢ / ٣٠٤