10 لقدي- شوقي وحافظ في ميزان الرافعي
الجزء ١١ · صفحة ١٤٥فلقد جمع الأستاذ (الرافعي) إلى جانب الكتابة الأدبية ــــ شعرها ونثرها ــــ تلك الصفة التي تميزه بالدقة والتبحر والذوق الرفيع. إنها قوته ناقدا للشعراء، مطلعا على صحيح شعرهم وسقيمه، وعلى جزالة ألفاظهم وهزالتها، وعلى سمو معانيهم وتدنيها.
فلقد ملئت قريحته بالذوق الرفيع، والبلاغة والبيان والبديع، وحاز قصب السبق في التوشيح والتدبيج والتأسيس، وصقل إلهامه الأدبي صقل الجوهر النفيس.
فعندما ينصب رايته، ويضع ميزانه، خلته قاضيا مهيمنا على مجلسه، لا يبرم أمر إلا بعد قضائه، ولا يكون الحكم إلا بما يعلنه. ولكنه أيضا عادل منصف، عطوف غير متجبر، يسعى بين ظلم الظالم وتذلل المظلوم لأن يجد سبيلا ليحملهما إلى طريق واحد، هو طريق الإنصاف.
فالرافعي ــــ رحمه الله ــــ بهذه الصفات زاحم هذا الفن من الأدب الذي تهرب منه الكثير ــــ كما أسلفنا ــــ رغم ما بلغوه من قوة شاعريتهم وعذوبة قرائحهم، وجزالة ألفاظهم وصفاء معانيهم. وهو الذي قال في "وحي القلم"(1)، في معرض كلامه عنهم: «ومن مصيبة الأدب عندنا، بل من أكبر أسرار ضعفه أنّ شعراءنا لا طاقة لهم بالنقد، وأنهم يفرُّون منه فرارًا ويعملون على تفاديه، وأنهم لا يحسنون غير الشعر؛ فلا البارودي(2) ولا صبري(3) ولا حافظ ولا شوقي كان يحسن واحد منهم أن يدفع عن نفسه أو يكتب فصلا في النقد الأدبي، أو يحقِّق مسألة في تاريخ الأدب»(4).
ولقد ظهر هذا لـ (شوقي) حينما أصدر أول ديوانه (الشوقيات) وكان منها قوله:
خدعوها بقولهم حسناءُ والغواني يغرهن الثناءُ
(1) وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، ط/دار الكتاب العربي-بيروت. دت، في ثلاثة أجزاء.
(2) البارودي (1255 ـــ 1322 هـ/ 1839 ـــ 1904 م): هو محمود سامي (باشا) ابن حسن حسنى بن عبد الله البارودي المصري: أول ناهض بالشعر العربي من كبوته، في عصرنا، وأحد القادة الشجعان. ومولده ووفاته بالقاهرة. له "ديوان شعر"، و"مختارات البارودي". ينظر: الأعلام 7/ 171، معجم المؤلفين 12/ 165.
(3) إسماعيل صبري (1270 ــــ 1341 هـ/ 1845 ـــــ 1923 م): هو إسماعيل صبري باشا: من شعراء الطبقة الأولى في عصره. توفي بالقاهرة، وجمع ما بقي من شعره بعد وفاته في "ديوان". ينظر: الأعلام 1/ 315، معجم المؤلفين 2/ 272.
(4) وحي القلم 3/ 304.