10 لقدي- شوقي وحافظ في ميزان الرافعي
الجزء ١١ · صفحة ١٤٦فلقد تعرَّض له (المويلحي)(1) الكاتب الشهير بالنقد، فارتاع (شوقي) وتحمَّل عليه ليمسك عن النقد(2).
وإنك إذا تأمَّلت وتتبعت فيما بعدُ نقولاتنا عن (الرافعي) في نقده لشعراء مصر، بل ولبعض فحول الشعر ممن خجل معنى بعض أبياتهم أمام معان معاصرة؛ جزمت أن الأستاذ متضلِّع خبير بالصناعة ذواق، يملك أحاسيس مرهفة؛ كأنه الطبيب الذي عرف مكامن العلل، ومواقع الزلل، حتى إنه يقول عندما يتعرَّض لهذا الجانب من النقد، وبالذات عندما يعالج شعر (شوقي): " … وفي هذا الديوان-ديوان شوقي-عيوبٌ لا نريد أن نقتصها، فإن ذلك يحتاج إلى كتاب برأسه، إذا ذهبنا نأتي بها، ونشرح العلة فيها، ونخرج الشواهد عليها"(3).
فاتزان (الرافعي) في النقد تظهر قوته وبراعته في اكتشاف زيوف الألفاظ ورداءة المعاني؛ فهو مادح في مواطن المدح والإعجاب التي لا مراء فيها، ومتشدِّد منكر في المواضع التي لا مساومة فيها. وهو بين هذا وذاك معترف بصلابة هؤلاء في زمن اختلطت فيه الألسن، وضاع الخيال الخصب، واندثرت فيه المعاني المعبرة عن الصورة الجميلة.
وإنك لتلمس هذا الإنصاف بين المدح والذم على سواء، فانظره مثلا متكلما بإعجاب وتعظيم لشعر (حافظ)، حينما قال: "ولغة هذا الشعر المندفعة بالحياة كأن كلماتها القوية عروق في جسم حي متوثِّب، لم يخرج عن أن تكون هي العربية المبنية في جزالتها ونصاعتها ودقة تركيبها البياني، ومع ذلك فليس في هذا العصر كله من يكابر أو يماري في أنها هي لغة حافظ وحده، كأنه أرغم التاريخ أن يحتفظ به في أجمل آثاره .. "(4).
وانظره أيضا وهو يتحدث عن (شوقي) وشعره، فقال: "وعندي أنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء العالم إلا إذا أعيد تاريخ شوقي مهذبا منقحا في رجل وهبه الله مواهبه، ثم تهبه الحكومة المصرية مواهبها"(5).
(1) محمد المويلحي (1275 ــــ 1348 هـ/ 1858 ــــ 1930 م): هو محمد بن إبراهيم بن عبد الخالق المويلحي: أديب، في إنشائه إبداع. اشتهر بكتابه "عيسى بن هشام". مولده ووفاته في القاهرة. من كتبه أيضا:"علاج النفس". ينظر: الأعلام 5/ 305، معجم المؤلفين 8/ 204.
(2) وحي القلم 3/ 304.
(3) السابق 3/ 311.
(4) السابق 3/ 271.
(5) السابق 3/ 301.