مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

12 البوجديدي - الشيخ سالم بن بعقوب حياة رجل وتجربة جيل

الجزء ١٣ · صفحة ١٧٦

ويتواصل في هذه الشّهادة السّير ذاتيّة الطّريفة حديث الشّيخ سالم عن أسباب اِنقطاعه عن هذه المدرسة آسفا، مكرها لا مختارا، فيقول: «وبعد أن درسنا هذه الكتب طيلة ثلاثة أشهر، فارقتها غير مختار وسافرتُ للتّجارة ببنزرت مع أخي حميدة. وكنت أحنّ إليها وأتمنّى الرّجوع إلى ساحتها، ولكنّني كنتُ محكوما فلا إرادة لي مع أخي الأكبر. فكنتُ أرسل الرّسائل إلى شيخي أذكر فيها أيّامي بتلك المدرسة. ثمّ عدتُ إلى جربة قبل تمام عامي في السّفر سنة 1926 ميلاديّ الموافق لسنة 1345 هجريّ، ورجعت إلى المدرسة ثانية. لكنّي لم أجدها مثلما تركتها، فقد زال النّشاط وحلَّ محلّه الخمول بين التّلاميذ الذين تركتهم، وهم تلاميذ آجيم، أمّا البقيّة فقد تفرّقوا. فمكثتُ شهرا تقريبا ولم يعجبني سيرها، إذْ خمدت عزائم الذين كانوا يجمعون المال وبخل من كان يتبرّع بها. وقبل تمام العامّ الثّاني لفظت المدرسة أنفاسها الأخيرة خاصّة عندما عزم التّلامذة الأوّلون مواصلة دراستهم بجامع الزّيتونة. فاُنقطعت عن الدّراسة في آخر سنة 1346 هجريّ الموافق لسنة 1927 ميلاديّ»(1).

هكذا هجر تلك المدرسة غير آسف بعد تعكُّر صفو العمل فيها، وقلَّة نشاط القائمين عليها، ليسافر بعدها صحبة أخيه حميدة إلى مدينة بنزرت، حيث اِشتغل بالتّجارة. وفي شهادته المصوّرة نلمس تذمّره من التّجارة، واُنصرافه الاِنصراف كلّه للدّرس والعلم، وهو ما سيدفعه للاِلتحاق بجامع الزّيتونة، مقصد طلاّب العلم في ذاك الوقت ومنارة المعرفة، غير أنّه كان يحضر في جامع الزّيتونة ما يطيب له من الدّروس متنقّلا من حلقة علم إلى أخرى، دون أن يسجّل اِسمه في دفتر الجامع(2). يقول في هذا الصّدد: «واُبتدأت دراستي في جامع الزّيتونة في الرّتبة الثّالثة. وقبل أن أدخل جامع الزّيتونة، اِستشرت والدي فقال لي: لا تقدر. فقلت له: سأدخل ولو لعام واحد، وكان يومئذ يتهيّأ للذّهاب إلى الحجّ، فأوصى لي بحانوت تجارة، رأس مالها ستّة آلاف فرنك. ثمّ سار إلى الحجّ ورجع منه مريضا، وتوفيّ، رحمه الله، في أوّل شهر صفر سنة 1346 هجريّ الموافق لسنة 1927 ميلاديّ. وفي نفس

(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.

(2) يقول في شهادته المصوّرة واصفا حياته بدقّة في تلك الفترة: «كنت متزوّجا في تلك الفترة. ودخلت إلى جامع الزّيتونة حين حجّ أبي. دخلت في الرّتبة الثّالثة والطّلبة يدرسون كتاب المكّوديّ. دخلت على غير نظام، وكنت أختار الحلقة التي تروق لي. كنت أريد رفع الجهل عنّي لا طلبا للوظيفة».

١٦٦ / ٣٠٤