مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

12 البوجديدي - الشيخ سالم بن بعقوب حياة رجل وتجربة جيل

الجزء ١٣ · صفحة ١٧٩

المجدّ مفعما بالعلم متشبّعا به كلّ التشبّع(1). ومن أبرز أساتذته بالأزهر الشّيخ أبو إسحق إبراهيم بن الحاج اطفيش الإباضيّ الميزابيّ(2).

وقد توطّدت علاقة الشّيخ سالم بالشّيخ اطفيش، حتّى أنّه كان يزوره في منزله ويأخذ الفقه عنه. ونفهم من شهادات الشّيخ سالم شدّة تعلّقه بهذه الشخصيّة التي طبعت حياته العلميّة والفكريّة كلّها لاحقا. وهكذا بقي شيخنا بالقاهرة مدّة خمس سنوات ونصف طالبا بالأزهر مرابطا بمكتباتها، ولم يرجعْ إلى جربة إلاّ وقد حصل على شهادة من شيخه اطفيش تجيز له الإفتاء والتّدريس. وقد جاء في شهادته المخطوطة: «أمّا بعد فإنّ كاتبه إبراهيم اطفيش بالقاهرة يجيز للورع التقيّ المشارك الشّيخ سالم بن محمّد بن يعقوب التّدريس في الفقه وأصول الدّين حيث أخذ عنّا علوم الفقه في العبادات وأصول الدّين ما يكون له كفيلا في معرفة مدارك هذيْن العلميْن والاِنتفاع بهما والنّفع بهما مع ما له من مشاركة فيما سواهما. ونأمل من الله تعالى أن ينفع به أهل الحقّ والاِستقامة في الجزيرة العامرة جربة، صانها الله من نوائب الدّهر وعمّرها بالعلم والدّين، ويجوز له أن يُفتي فيما يستفتى فيه من المسائل حيث أنّ له من الورع ما يمنعه أن يجترئ على القول فيما لا يعلم.

(1) يقول الشّيخ سالم بن يعقوب في شهادته المصوّرة: «كنت قليل النّوم، أنسخ الكتب ليلا على ضوء فانوس (قازة)»، ولأنّ الطّالب محروم دوما كما يقول في موضع آخر من شهادته: «اِشتريت الكتب التي تباع على قارعة الطّريق. وقد أبقى جائعا، ومع ذلك أشتري كتابا».

(2) وُلد إبراهيم بن الحاج اطفيش ببلد يسجن من ولاية غرداية بالجزائر سنة 1886. وتوفّي سنة 1966. اِشتغل بدرس العلوم في الفنون المختلفة .. ثمّ اِنتقل إلى تونس سنة 1917. وحضر دروس شيخ الإسلام المالكيّ العلاّمة الطّاهر بن عاشور. وقد عرف بدعمه للنّضال الوطنيّ الجزائريّ، حتّى وهو في تونس، ممّا جعل سلطات الاِحتلال الفرنسيّ توجّه له القرار التّالي: الحكومة الفرنسيّة تدعوك إلى الكفّ عن كلّ حركة عدائيّة، واُختر لنفسك أيَّ بلد شئت خارج هذا التّراب وهكذا سيضطرّ الشّيخ اطفيش إلى الرّحيل نحو مصر منفاه الاِختياريّ بداية من شهر فيفري سنة 1903. وفي مصر «طار صيت أبي إسحق بين فطاحل علماء الأزهر الشّريف وأئمّة المذاهب الإسلاميّة هناك لما شُهر وعُرف عنه من دراستها دراسة وافية». وأكبَّ مجاهدا في خدمة مكتبة القطب العامرة المليئة بنفائس العلوم المخطوطة في الدّفاتر، والذّخائر التي لا تزال في طيّ النّسيان. وتذكر المصادر أنّ الحكومة المصريّة قد أسندت للشّيخ اطفيش سنة 1930 «قسم التّصحيح والتّعليق والنّقد في دار الكتب المصريّة، فكان فيها مثالا للنّشاط والصّدق في العمل. وكان المرجع لكثير من المشاكل اللّغويّة». نقلا عن: عبد الله بن محمّد الكامليّ، أبو إسحق إبراهيم اطفيش، طبعة 1، قسنطينة، مطبعة الشّهاب، (د. ت). ص ص 52، 53.

١٦٩ / ٣٠٤