12 البوجديدي - الشيخ سالم بن بعقوب حياة رجل وتجربة جيل
الجزء ١٣ · صفحة ١٧٨الموافق لسنة 1933 ميلاديّ، سافرتُ إلى مصر لإتمام تعلّمي في الأزهر»(1). وفعلا ففي شهر أكتوبر من سنة 1933، حزم أمتعته وسافر إلى مصر ليواصل تعلّمه، ناسجا على منوال كثير من أهل جهته وغيرهم من علماء الجزيرة الذين يحبّذون إتمام تعلّمهم بالدّيار المصريّة، لوجود علماء أكفّاء وذوي مقدرة عالية وسمعة طيّبة، وكذلك لحرصهم على تحصيل مناهل العرفان وحبّهم وشغفهم بهذه المهنة التي يُوقف أهالي جربة بمصر من أجلها أموالا محترمة خدمة للعلم وتشجيعا على تحصيله. وسكن كغيره من الطّلبة في وكالة البحّار المختصّة بسكنى الطّلبة، الكائنة بالحيّ الطولونيّ بالقاهرة. فوجد فيها آنذاك جماعة كثيرة من جربة ومن جبل نفوسة(2). وفي مصر بقي يتردّد على حلقات جامع الأزهر، ويتلقّى دروسا في القسم العامّ منه، كانت تهتمّ بالفقه الإسلاميّ والتّاريخ الإباضيّ. كما كان يحضر ليلا محاضرات جمعيّة الإخوان وجمعيّة العروة الوثقى، فيوصل اللّيل بالنّهار في الدّرس، مكثرا السّماع(3)، متردّدا على تلك الحلقات التي تتجاوز منتصف اللّيل، فيعود هذا الطّالب
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.
(2) يحدّثنا الشّيخ سالم في شهادته المصوّرة عن حياته بوكالة البحّار فيقول: «وجدت في القاهرة مهنّي بن داود، فساعدني على السّكن في الوكالة، وهي بالمجانّ للطّلبة الجرابة. والوكالة لعائلة البحّار والجمني من آجيم وقد جعلوها حُبسا على الطّلبة الجرابة الدّارسين بمصر. وكان الطّابق الأوّل عامرا بتجّار جلود بقر الجاموس فسمّوها بهذا الاِسم. وجعلوا جراية للطّلبة. وكنت أتقاضى من تلك الجراية صحبة الشّيخ مهنّي بن داود. سكنت الوكالة وحدي ثمّ جاء طالبان من الزّوارة ونفوسة».
(3) عرف الشّيخ سالم بكثرة سماعه وتروّيه وإعماله لعقله، ينطبق عليه قول الجاحظ: «فالإنسان لا يعلَم حتّى يكثر سماعه، ولابدّ من أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يعلم، ولا يجمع العلم، ولا يُختلف إليه حتّى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذّ عنده من الإنفاق من مال عدوّه. ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب، ألذّ عنده من إنفاق عُشّاق القيان والمستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيّا». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل، 1996. ج 1، ص 54.