14 ابن عمر - المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي
الجزء ١٥ · صفحة ٢٠٣1.1 مشاريع التنصير وبرامجه:
إن مشاريع التنصير الفرنسي وبرامجه لا يمكن فهمها إلا ضمن تصور شامل لخطة عالمية عبر عنها القس كالهون سيمون برغبة المبشرين القوية في التفريق بين المسلمين وهي الرغبة التي عبّر عنها لورانس براون من قبل بقوله: «إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التملص من السيطرة الأوروبية، ولذلك كان التبشير عاملا مهمّا في كسر شوكة هذه الحركات، ذلك لأن التبشير يعمل على إظهار الأوربيين في نور جديد جذاب، وعلى سلب الحركة الإسلامية عنصر القوة والتمركز فيها». وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية: «إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسباب منها الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عدديا، بل هو دائما في ازدياد واتساع، ثم إن الإسلام ليس دينا فحسب، بل إن من أركانه الجهاد، ولم يتفق قط أن شعبا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيا». وإضافة إلى ذلك يرى أحد المستشرقين الألمان «أن هناك عداء من النصرانية للإسلام بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدا منيعا دون انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها». ولقد خطط دعاة التنصير لاختراق قلوب المسلمين من باب التطبيب والخدمات الصحية كأحسن وسيلة للاتصال بالناس، فقد جاء في كتاب للأمريكي بول هارسيون "التطبيب في بلاد العرب" «أن المبشر لا يرضى عن إنشاء مستشفى ولو بلغت منافع ذلك المستشفى منطقة عمان بأسرها، لقد وجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى».(1)
وفي الجزائر تعود جذور هذه القضية إلى مشروع الكاردينال لافيجري، الذي سعى لإيجاد طائفة تتمكن السلطة الاستعمارية من تسخيرها لأغراضها السياسية، ومن ثمة دمجها، بعد تمسيحها، في المجتمع الفرنسي. ولنجاح هذا المشروع بذلت السلطات الاستعمارية مجهودات علمية ومادية كبيرة قصد التفريق بين العرب والبربر، وخلخلة أفكار الناس وأصالتهم، اعتمادا على دراسات مشوهة عن حياة السكان وثقافتهم وتاريخهم، وأصل تكوين العنصر الأمازيغي(2).
(1) - الشيخ القرادي، حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، العطف، الجزائر، 1990، ص 210 ــــ 212.
(2) - سعيدي مزيان، النشاط التبشيري في الجزائر في عهد الكاردينال لافيجري، (1867 ـــ 1892)، رسالة ماجستير معهد التاريخ، جامعة الجزائر 1998 ــــ 1999، ص 116 ـــــ 120.