مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

14 ابن عمر - المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي

الجزء ١٥ · صفحة ٢١٦

وقد ظهرت في الجزائر وفي عالمنا العربي والإسلاميّ صحف ومجلّات كثيرة وهامّة، منها التي أسسها أعلام من مزاب، فحملوا ومن آزرهم من الكُتّاب في جهادهم الصحفي لواء التوعيّة والتثقيف وكشف الحقائق وخدمة العروبة والإسلام، فكانوا نخبة صالحة، أبلوا البلاء الحسن. فشرّفَت هذه الصحافة الأمة بأسرها، إذ أصبحت بها أمة ذات لسان يعبر عن آمالها وآلامها، وينافح دون حقيقتها. وينشر بين سمع الدنيا وبصرها صفحات خالدة من تاريخها وصورا رائعة من ماضيها وحاضرها.

لقد كانت تلك الجهود المبذولة في مجالي التعليم والإعلام يحركها التحدي لخطط المسخ والتشويه الثقافي التي تنتجها المخابر السوسيولوجية الاستعمارية، فراهنت على التنوع العرقي للمجتمع الجزائري بكشفها لنقاط الضعف في صفوف المجتمع الجزائري خاصة الاختلافات بين العرب والبربر، غير أن قوة الإسلام أذابت تلك الفوارق وألغتها، ووحدتهم تحت رايته ومصلحة الوطن ولم تحقق هذه التجارب الاستعمارية شيئا يذكر مقارنة بالجهود المبذولة.

ولما أصبحت خطة تجهيل الجزائريين عائقا أمام السياسة الثقافية الفرنسية، نزعت سلطة الاحتلال إلى فتح مدارس لتهيئة جيل يتنكر لماضيه الحضاري ويدين بالولاء للهوية الفرنسية، لكن رفض التعليم الفرنسي ظل موقفا سائدا في مزاب حتى الثلاثينات من القرن العشرين؛ و استمر هذا التحفظ الناجم عن مشاعر الشك والريبة بكل ماله علاقة بالإدارة الفرنسية وبالحضارة الأوروبية عموما. وكان الدين الإسلامي واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن عنصران أساسيان من عناصر الهوية الجزائرية، وكانا وراء تعبير الإنسان الجزائري عن ثقافة الرفض للعنصر الدخيل.

ومع تطور الأحداث وتفاقم انعكاسات المقاطعة السلبية، بدأت مساحة الإقبال على التعليم الفرنسي تتسع بعد أن أثمرت جهود المصلحين الذين تفطنوا إلى ضرورة تسليح أبناء الجزائر بتعليم فرنسي يمكنهم من شغل المناصب لتفويت الفرص على الانتهازيين والطموحين من صنائع الإدارة الفرنسية، ومقاومة الاستعمار بنفس سلاحه وفي مواقعه التي ينطلق منه غزوه الثقافي. وفعلا كان هذا الموقف الواعي حاجزا أمام المثقفين الجزائريين بالفرنسية لا يرون معنى للإدماج إلا مرادفا غزوا للجزائر أدبيا بعدما تم إخضاعها ماديا، وقضاء مبرماعلى العاطفة الدينية الإسلامية والوطنية القومية، وهي الغاية التي يسعى لتحقيقها أنصار الإدماج، ولا يجدون للتجنيس حكما إلا حكم الردة عن الإسلام.

- - -

٢٠٢ / ٣٠٤