14 ابن عمر - المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي
الجزء ١٥ · صفحة ٢١٥على ثقة بربح المعركة. والرأي الثاني يرتكز على أن البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربا عليها هي أمور راسخة في واقع الناس، حتى اعتقدوا أنها واجبات عليهم. وبناء على ذلك فإن أنجح المناهج، حسب هذا الرأي، هي المواجهة والمجابهة بأخذ المبطلين على حين غرة والهجوم عليهم بلا هوادة، واستماع العامة صوت الحق فصيحا، وفضح ألاعيب ذوي الضمائر الضعيفة، إذ لا طمع في التأثير في هؤلاء إلا بصيحة مدوية تزلزل أركانهم.
وفي مزاب كانت دعوة الشيخ أمحمد اطفيش في نفس السياق الذي نحته النهضة الإسلامية العامة، فقد عايش حركة الجامعة الإسلامية وأدلى بدلوه فيها. ورغم أن معهد الشيخ لم يستمر من بعده، إلا أن النهضة التي أرسى قواعدها الشيخ لم تمت بموته بل تلقف رايتها تلاميذه من بعده ومن تأثر بأفكاره وبروح العصر، فأسسوا مدارس ومعاهد اضطلعت بالاستمرار في نفس النهج الإصلاحي.
والملحوظ أن التعليم الذي كان له الدور الأساسي والريادي في هذا الكفاح الحضاري كان محوطا بالأخلاق وموجها بنبل المقصد والغاية ومصحوبا بالتربية والتهذيب، وهو ما أمنه من كثير من العثرات التي تعرضت لها النهضات، وجنى المجتمع ثمار نهضة فكرية كان لها دور خطير في العالم الإسلامي.
وما يجب التأكيد عليه أن هذه الحركة التربوية والتعليمية في مزاب كانت سامية الغاية وهي طلب رضا الله ونبيلة المقصد دقيقة الهدف، تتوخى شرف العلم ونفي الجهل، وتكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل وتنوير الذهن وتربية النفس تربية صحيحة، وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والوطني.
ولتحقيق هذه الأهداف اتخذت هذه الجمعيات وسائل عديدة، وسلكت طرقا متعددة فبنت المساجد، وأسست المدارس وأقامت النوادي وفتحت المكتبات، وحرصت على دعم ذوي الفاقة من الطلبة، وأرسلت البعثات العلمية إلى الخارج إلى تونس وبغداد والقاهرة ودمشق.
وقد أشاد الشيخ عبد الحميد بن باديس بالنهضة التربوية والتعليمية التي قادها جملة من الأعلام في مزاب، فزار بعثتهم الطلابية في تونس، ونوه بالتنسيق الحاصل في مجال التربية والتعليم، وبتمثيل معاني الأخوة تمثيلا عمليا، بين أعلام المالكية والإباضية، حين بلغوا إلى حد أن جماعتهم واحدة، ورأيهم واحد وشوراهم في المصالح العامة واحدة.
وكانت حركة الإصلاح في مزاب خلال فترة الثورة التحريرية تراهن على دفع عجلة التعليم إلى الأمام لتحضير إطارات الدولة المشروع وقيادات الأمة.
وفي مجال الإعلام تعتبر الصّحف من أهمّ وسائل التوعية والتثقيف في المجتمع،