مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

16 الباروني - قراءة تحليلية في شرح اسماعيل الجيطالي للمنظومة النونية

الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٨

وجدنا ذلك صريحا وواضحا في ثنايا الشرح. فقد عقد الجيطالي فصولا جعلها في الردّ على الطّاعنين في العقيدة الإباضيّة أو على من زعم فهما أو تأويلا مخالفا أو غير مدرك لحقيقة مقالات أصحابها(1). والرّدود هي ضرب من التّصانيف هدفها الأساسي الردّ على المخالفين ودحض مقالاتهم عن طريقها يسعى المصنّف إلى بيان معتقداته وأفكاره.

وقد جاء شرح الجيطالي حاملا للسّمات الفنيّة والمنهجيّة التي جعلته يشترك مع جنس الرّدود في جانبين جوهرييّن: أوّلهما الجانب البنيوي و ثانيهما الجانب الاستدلالي.

فمن حيث البنية يطغى على جنس الرّدود وهو ما نظفر به جليّا في الشرح، ذلك التّطرّق المتكرّر والمتفرّق للمسألة الواحدة أو المبحث الواحد، ومثال ذلك ما نراه في مسألة الرّؤية(2). إذ يذكر الجيطالي رأيه في مسألة جواز رؤية الله أو عدمها في دار المعاد، ورأي مختلف من قال بجوازها مسندا لكلّ حججه وبراهينه. ثمّ ينتقل إلى قضيّة الاستواء في معناه وكيفيته، ويشرع في شرح البيتين التّاسع عشر والعشرين المتعلّقين بالمسألة شرحا لغويّا. ثمّ نراه يعرض لرأي الإباضيّة ورأي الفرق المخالفة وحججهم في هذه القضيّة، ليعود بعد الحديث عن الاستواء عند مالك والردّ عليه إلى المسألة الأولى التي تركها وهي مسألة الرّؤية، ويواصل الردّ على قول المالكيّة بجواز الرّؤية في الآخرة. وقد جاءت سمة التّداخل هذه غير مقتصرة على مبحث واحد بل تكرّرت في عدّة مباحث أخرى

أمّا من حيث الاستدلال، فكأنّنا بالجيطالي وشأنه في ذلك شأن أصحاب الرّدود يقدّم المقالات واستدلالاتها، وهي التي مثّلت معتقداته التّي آمن بها، كأنّه يقدّمها كمسلّمات غير قابلة للنّقاش والدّحض أو على الأقلّ باعتبارها المعتقدات الصّحيحة التي تبطل أمامها كلّ المعتقدات المخالفة وتسقط تجاهها كلّ المقالات المناهضة لها. وهذا ما بدا واضحا في الفصل المتعلّق بمسألة الاستواء حيث يقول: "فيقال لمن ذهب هذا المذهب، أخبرونا عن الاستواء المذكور ما معناه عندكم أهو على الحلول المعقول والتمكّن المفهوم من الأمراء على الأسرّة، فإن ذهبوا إلى هذا كفينا مؤونتهم وكان النّقض عليهم كما هو على إخوانهم فإن قالوا إنّ الاستواء على غير الحلول والتمكّن. قلنا فعلى ماذا إذا؟ فإن قالوا لا نعدو ما قال الله في ذلك ولا نقول على الحلول المعقول

(1) - يقول الجيطالي في ذلك: "و نحن نشرع في الاحتجاج على من قال بهذا القول … " ورقة 62:" و يقال لمن زعم أنّ … " ورقة 181. "الردّ عليهم وبالله التّوفيق … "ورقة 134.

(2) - ر، الشّرح: ورقة 129. وجه و قفا – 139 قفا – 141 وجه.

٢٢٤ / ٣٠٤