مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

16 الباروني - قراءة تحليلية في شرح اسماعيل الجيطالي للمنظومة النونية

الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٧

مخالفيهم بطريقة جدليّة حجاجيّة واضحة، إمّا مفصحا عن مقالته(1)، وإمّا مدعّما رأيه بأقوال السّلف(2)، وإمّا مستندا في بعض ما ارتآه من المواقف إلى ما أقرّه السّلف من أهل نحلته(3) أو من المسلمين عامّة(4)، مراوحا بين ذكر المصادر وبين الاقتصار على ذكر الأسماء.

ومن تخريجات الجيطالي في هذا الشرح طبيعة الكتابة عنده، إذ أنّه كثيرا ما كان يمزج المادّة العقديّة برأي في الفقه(5) أو يطعم كلامه بنفحة فلسفيّة(6) تضمن للمقالة إخراجا فنيّا مخصوصا.

ويمكن القول إنّ الجيطالي بأسلوبه هذا ليس بمنشئ لفنّ في الكتابة بقدر ما هو طريف ومضيف إلى خصائص التّصنيف والتّأليف في أجناس الشّروح في هذا المجال.

كما أنَّ أهمَّ ما نظفر به من خصوصيَّة في هذا الشرح لا ينحصر في تذليل … ما كان مستعصيا على الفهم من العبارات والتّراكيب أو في إيضاح ما كان غامضا من الأفكار والمعاني، وإنَّما هو يتعدَّى هذين المستويين اللَّذين يمثِّلان حدًّا أدنى لما ينبغي أن يتوفَّر في نصِّ أيِّ شارح، ليشكِّل نصًّا جديدا تجاوز حدود الإحالة على المتن أو احتوائه، وحقَّق عن طريق صياغة النّص الأصلي صياغة جديدة نصيبا من التّخريجات المميّزة لعلّ من أهمّها كون هذا الشرح ليس شرحا للأصول العقديّة فحسب، وإنّما يمكن اعتباره أيضا مصنّفا من جنس الرّدود. وقد

(1) - يقول مثلا في مسألة خلق الجنّة والنّار: "وعندي والله أعلم قول من قال مخلوقتان أمثل … " (يقصد الأشعريَّة) ر، الشّرح: ج 1 ورقة 75 قفا.

(2) - يقول مثلا في مبحث النبوَّة:" … والصحيح عندنا وهو الموجود في أثر أصحابنا من أهل المشرق وأهل الجبل أنّ الأنبياء لا يوصفون بشيء من الكبائر في حال من الأحوال لا قبل النبوّة ولا بعدها". ر، الشّرح ج 1 / ورقة 57.

(3) - يقول أيضا في مسألة مذاق النبيِّ للشّرك: " … و إنّما كتبت ما وجدته في آثار أصحابنا من أهل المشرق وأهل الجبل و لم أزد فيه، إلاّ ما كان من بعض الاحتجاج … " ر، الشّرح ج1/ ورقة 65 وجه.

(4) - مثال ذلك قوله في مسألة الاختيار والسخط والرّضا:" … فإن قال قائل قد ذكرت ما وجدت في الآثار ولم تذكر قولك في هذه المسائل قيل له قولنا في هذه المسائل وفي غيرها وفي من انتحلها قول المسلمين ونحن لهم متّبعون غير مبتدعين … " ر، الشّرح ج 1/ورقة 61 وجه.

(5) - ر، مثلا مسألة الردّ على القائلين بإسقاط سائر الفرائض عن البالغ حين بلوغه بالتّوحيد الّذي معه (مسألة البلوغ وعجز قيام البنية على أداء الفرائض هما من المسائل المتعلّقة بالمجال الفقهي). ر، الشّرح ج1/ ورقة 79 قفا 81 وجه.

(6) - ر، مثلا مسألة أحوال الدنيا عندما تحدّث عن خصائص الكون بمقتضى اسطقسّات الطّبائع. ر، الشّرح: ج1/ ورقة 71 قفا.

٢٢٣ / ٣٠٤