17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٨ · صفحة ٢٦٠وتعالى في حكم مُغيّباته إلاّ بما علمنا، أو صحّت لنا به الشّهادة ممّا لا يرتاب فيه من صحّة عدله وفضله، وقامت علينا الحجّة له".(1)
نلاحظ من هذه النصوص ـــ إذن ـــ إعمال الفقهاء لأدلة العقل كالقياس، أو إعمال مبدأ الاحتياط أو سد الذرائع، أو التأويل، لتوجيه معاني الأحاديث إن استشكل عليهم لفظها الظاهر، أو تعارضت مع ما يرونه صحيحا، ويبدو من خلال الأمثلة المتقدمة عدم إحاطة بعض الفقهاء بكامل نصوص السنة في مختلف المسائل، ولذلك يعلقون بعض الآراء التي يرجحونها على صحة الخبر وثبوته.
نلاحظ هنا أنَّ حكم الفقهاء على تلك الأحاديث بالنظر العقلي أو نصوص القرآن، قد يوافق حكم الحديث من الناحية الإسنادية صحة أو ضعفا، وقد يخالفها.
وعلى كلّ، فالنظر في كلّ الأدلة، واعتبار النقد سندا ومتنا لمثل هذه الروايات المختلف فيها ضروري لمعرفة الصواب بالنسبة لنا نحن المتأخرين.
خاتمة
بعد هذا العرض الوجيز لبعض النّصوص التي تبرز منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة النبوية، يمكن تحرير الملاحظات التّالية:
*- للسّنّة النّبويّة في المذهب الإباضي المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم من حيث كونها مصدرا من مصادر التّشريع والاجتهاد.
*-يمتاز الإسناد في التراث الإباضي ببعض الخصوصية الشكلية في طرق الرّواية بنوعيها المسموعة والمكتوبة، حيث انتقل هذا التراث فقها وحديثا وعقيدة في جزء كبير منه بنفس الصيغ، وعمدة ثبوت صحة النقل هو عنصر الثقة المسلم به بين علماء المذهب قديما وحديثا.
*-تركّز جهد النقد عند الفقهاء الإباضية للسنّة على النظر في المتون، مع وجود مواضع تدل على اعتبارهم صحة الإسناد شرطا ضروريا لقبول الحديث، ويتمحور أساسا على شرط العدالة، ولكن لا يكفي وحده دائما لإثبات صحة الحديث.
*-تميز جل هؤلاء الفقهاء بسعة الأفق وتوسيع مجال الاستفادة من التراث الحديثي، ويدل على ذلك تعدد مصادر أخذ الروايات، سواء كانت للإباضية أو غيرهم.
أودُّ في نهاية المقال الإشارة إلى ضرورة مواصلة البحث والاجتهاد لاستكشاف وتحقيق كثير من المخطوطات التي قد تجيب عن مسائل أخرى عالقة في قضية الحديث
(1) - الكدمي، المعتبر، 1/ 51. والحديث رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين». رقم 1383.