مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة

الجزء ١٨ · صفحة ٢٥٩

لأنّ التّعبّد جائز بمثل هذا كلّه"(1).

ويقول في حكم اليمين: "أمّا أبو حنيفة والشّافعي فيسمعان البيّنة بعد اليمين، ويحتجّان بما روى عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «شاهدا عدل خير من يمين فاجرة»، وهذا الخبر إن صحّ طريقه فيحتمل التّأويل، والقول بما قاله أصحابنا، إنّ اليمين جُعِلت لقطع الخصومة"(2).

وفي حديث آخر يقول ابن بركة: "رُوِي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق بلال قال: حدّثني مولاي أبو بكر رضي الله عنه أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» لا يتوضّأ أحدكم من طعام أحلّ الله أكله «، فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا «أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء ممّا مسّت النّار»، فإنّه يُحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدّسم"(3).

وحتّى في مجال العقيدة، نجد من الفقهاء من يحاول الخروج من دائرة ردّ الأحاديث، فيما فيه خلاف كما هو معروف عند الإباضية، بل يحاول التّأويل بما يوافق المعاني المأخوذة من الآيات القرآنية.

يقول الخليلي: "ومع أصحابنا، إن كان رؤيةً (رؤية الله تعالى) رُوِيت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يُحتمل لها مخرج إلاّ إلى الباطل الذي لا يجوز فيه اختلاف، لم يجز إلاّ أن تكون باطلة ممّا كُذِب به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن احتُمِل لها تأويل على الحقّ فلا يجوز ردّها، ومعي أنّ هذه الرّواية يصحّ أن يكون لها وجوه حقٍّ من التّأويلات"(4).

وقال الكدمي في تعليقه على حديث في أولاد المشركين: "و لسنا نردّ الرّوايات على حال، وأهل الرّوايات أولى بما رووا، فإن صدقوا فلأنفسهم، و إن كذبوا فعليها، ولكن اعتبرنا الحديثين، فوجدناهما: إن كانا صحيحين من قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مخرجهما عندنا على ما قلنا، من ثبوت الحكم لولد اليهودي والنّصراني، وعليهما في أحكام أبيهما فيما نحن متعبّدون به وحُكّام فيه، و لا يُعتَرض على الله تبارك

(1) - المصدر نفسه، 1/ 236.

(2) - المصدر نفسه، 1/ 176.

(3) - ابن بركة، الجامع، 1/ 305. وانظر: 1/ 314 - 1/ 546 - 429. قال الترمذي: ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده … والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، … والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار. سنن الترمذي: حديث 80. ولعل ابن بركة لم يبلغه الحديث الناسخ، فاجتهد في تأويله.

(4) - التّمهيد، الخليلي، 1/ 274، والحديث رواه البخاري وغيره من حديث جرير، رقم (554).

٢٤٤ / ٣٠٤