18 بولرواح - الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي ومسنده
الجزء ١٩ · صفحة ٢٦٦"فقيه المسلمين وعالمهم بعد أبي عبيدةَ"(1). وقيل عنه: "لا يقبل القرآن من أيِّ شخص حتّى يكون مثل الرّبيع"(2). وقال عنه الدّرجيني(3): "طَوْدُ المذهب الأشمّ، وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصمّ، ومن تشدّ إليه حبال الرّواحل وتزمّ، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزّاخر، ولزم مجلسه فكان الأوّل والآخر، روى عنه المسند المشهور، المتعارف البركة على مرّ الدّهور، وله في الفروع كلّ قول ومذهب، أجوبته من المعتمدة في المذهب، بايَنَ من خالف من محاضريه أهل العدل والصّواب، ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السّنّة والكتاب، والصّواب عندنا في كلّ ذلك جوابه، فإن سمعت بأصحابه فنحن -والحمد لله- أصحابُهُ"(4).
أمّا عند غير الإباضيّة(5) فقد أثنى عليه جِلَّة من أيِمّة الحديث؛ حيث وثّقه ابن
(1) - مجموعة من العلماء: السير والجوابات، 01/ 278.
(2) - الكندي: م س، ج71/ 24.
(3) - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، من أعلام الإباضيّة، ومن أشهر علماء درجين ببلاد الجريد جنوب تونس، فقيه ومؤرخ وشاعر، له كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، توفي سنة 670هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضة بالمغرب، رقم81.
(4) - الدرجيني: م س، 02/ 273.
(5) - يقول الدكتور صالح البوسعيدي: "ينبغي التّنبّه إلى أنّ الرّواة الذين يحملون اسم الرّبيع بن حبيب ثلاثة هم: الرّبيع بن حبيب الكوفي، والرّبيع بن حبيب البصري الإباضي، والرّبيع بن حبيب الحنفي. وقد خلط ابن أبي حاتم بين الحنفي والبصري فجعلهما واحدا، وتبعه على ذلك الذهبي، والمزي، وابن حجر. وفرّق بين الثّلاثة البخاري في التّاريخ الكبير، وابن حبّان في كتابيه الثّقات والمجروحين، فذكر الأوّل (أي الكوفي) في المجروحين، وذكر الثّاني والثالث (أي البصري والحنفي) في الثّقات. وهذا النّوع من الحديث ممّا يتّفق الرّواة في أسمائهم وتختلف أشخاصهم يسمّى المتّفق والمفترق". انظر؛ البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضيّة، ص58 (بتصرف).
وقد ذكر البوسعيدي أيضا أنّ ابن معين في سؤالات ابن الجنيد وثّق الرّبيع بن حبيب؛ لكن بعد مراجعة الكتاب المذكور وجدت أنّ الموثّق من ابن معين هو أبو سلمة الحنفي. انظر؛ البوسعيدي: م س، ص57. ابن الجنيد: سؤالات ابن الجنيد ليحي بن معين، رقم212، ص54.
وقد يقول قائل: إن علماء الرجال من غير الإباضية لم ينصوا على أن الربيع بن حبيب كان إباضيًّا، وبالتالي فمجرَّد ذكرهم له لا يكفي في القول بأنه الإباضي المقصود. ويمكن الإجابة عن هذا الاعتراض بأنه: قد ذكر أهل الحديث ثلاثة ممن يُسَمَّون الربيع بن حبيب، وقد خلط البعض بينهم ــــ كما تقدم ــــ، ولم ينسبوا أحدهم للإباضية ولا لغيرهم، إلا ما كان من أبي زرعة الذي ذكر أن الربيع بن حبيب الكوفي شيعي (الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم2733). كما أنهم لم ينفوا نسبة أحدهم للإباضية، وبالتالي فالأمر محتمل، على أنه قد نص الإمام أحمد في ترجمته للهيثم بن عبد الغفار أنه يروي عن رجل يقال له الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد (العلل ومعرفة الرجال، 2/ 55 ــــ56)، وهذا الإسناد من الربيع إلى جابر لم نجده إلا عند الإباضية. ومن جهة أخرى فإن خلط بعض أهل الحديث، بين من يسمى الربيع بن حبيب قد يكون سببه هو ما عرف من أن الربيع الإباضي كان مانعا نفسه من التحديث إلا للخاصة؛ بسبب ظروف التقية والتستُّر عن أعوان السلطة المخاصمين للإباضية.