مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم

الجزء ٤ · صفحة ٣٠

ألا ما أشبه حيرتهم هذه بحيرة قريش أوان كان سيد الأنام في "غار حراء"، يُصنع على أعين الله تعالى، ويربَّى في صفوف مدرسة "عشق الإله، وعشق الحقيقة"؛ هنالك تعلَّم كيف "ينكر ذاته"، وكيف "يسحق أناه"؛ ليحمل همَّ "البشرية الحائرة" فردًا فردًا، بلا استثناء، في جميع الأزمنة والأمكنة، ولا يزال، إلى أن يُبعث يوم الحشر، فداه أمِّي وأبي، وهو ينادي بأعلى صوته: "أمَّتي أمَّتي".

ولقد أصدرت "منظمة المؤتمر الإسلاميِّ" ما عُرف بـ"إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام"؛ وأكَّدت فيه على أنَّ دور المسلمين اليوم هو "هداية البشرية الحائرة". ورد في ديباجة الوثيقة: "التأكيدُ على الدور الحضاري والتاريخيِّ للأمَّة الإسلامية، التي جعلها الله أمَّة وسطاً، أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة، وصلت الأرض بالسماء، وربطت الدنيا بالآخرة، وجمعت بين العلم والإيمان"؛ والذي يُؤمَّل هو "أن تقوم هذه الأمَّة اليومَ بهداية البشرية الحائرة، بين التيارات والمذاهب المتنافسة، وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة"(1).

لكأنَّ إعلان الفيزيائيين عن فشل "نظرية كلِّ شيء" قبل بضع سنين، إثر سقوط "نظرية الأوتار الفائقة"(2)؛ كان عنوانا للإعلان عن فشل الإنسان في إسعاد أخيه الإنسان، واعترافا ضمنيا منه بالحاجة إلى مصدرٍ متجاوزٍ متعالٍ، يقول قوْلته، ويأخذ زمام التحكُّم من جديد.

ولقد هدَّت "الحيرةُ" الشرقَ والغربَ على السواء، فعبَّر كلٌّ منهما بطريقته وحسب ظروفه؛ وأصدق عنوان لهذا التعبير هو كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"، للمفكر المسلم، علي عزت بيجوفيتش رحمه الله.

وفي مقال بعنوان "طويلا بكينا"، نقرأ دلالةً معبِّرة عن تكلم الحيرة، يقول فيه الأستاذ محمد فتح الله كولن: "إنَّ الغربيَّ الذي حسِبنا أنَّ لديه مصباحَ حياتنا، كان قد ارتمى على مصطبة النعش قبلنا بكثير. إنَّه مات في ذلك اليوم الذي هبَّ فيه "نيتشه"

(1) - القاهرة، 14 محرم 1411 هـ/ 5 أغسطس 1990م. ينظر الرابط:

( http://www1.umn.edu/humanrts/arab/a004.html)

(2) - كتب "لي سيمون"، وهو أحد رواد نظرية "الأوتار الفائقة" مقالات بعنوان: "لا شيء بخير في الفيزياء، فشلُ نظرية الأوتار! ".

Lee Smolin: Rien ne va plus en physique!: l’échec de la théorie des cordes. Paris: Dunod، DL 2007.

وانظر: محمد باباعمي: نظرية كلِّ شيء، بين عجز الفزياء وتألق الوحي، فتح الله كولن نموذجا. ضمن كتاب "أكاديميا"، القسم الثاني، طور الطبع.

٢٧ / ٣٠٤