03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم
الجزء ٤ · صفحة ٣١ليُردِي الإلهَ لباسَ الموت معلنًا في وهمه أنه "مات الإله" .. إنَّ الميت لم يكن سوى الغربيِّ نفسه، وإنسانِنا المسكينِ معه .. إنسانِنا الذي غرق في المستنقع من حيث ظن أنه خرج من السجن ناجيًا .. إنسانِنا العابث المتفلِّت الذي تمرد على كلِّ شيء، وأنكر كلَّ شيء"(1).
وفي مقال بعنوان "تمشيط الوحش على النحو الذي يحلو به"، لـ"إنجليك دل راي"، نقرأ هذه الحسرة من تلكم "الحيرة" في قوله: "إننا نعيش حقبةً مظلمة، نختبر خلالها تناثر الممارسات والأفكار والمعتقدات التي كانت تحدِّد إلى الآن وتيرة مجتمعاتنا"(2).
ومن ثم يحسُن بنا اليومَ أن نعلن، في هذا المؤتمر العالميِّ الحاشد، وفي هذه المناسبة الفريدة، من موقع هذه المدينة العريقة(3)، وفي هذا البلد الضارب جذوره في الحضارة الإنسانية والإسلامية المجيدة(4)؛ يحسن بنا أن نعلن عن "فشل الأيديولوجيات"، وعن "موت الموت" و"موت القاتل" على إثره، وعن "نهاية النهايات"، وعن ضرورة البحث عن "ما بعد المابعد".
نعلن أنَّ الذي بقي بعد كلِّ هذه الأعاصير هو وجهُ الله الكريم: "ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام"، ثم كلام الله الحكيم: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وكذا رسوله الرحيم: "واللهُ يعصمك من الناس"؛ ثم إنَّ الذي لا يزال ينبضُ حياةً وحركيةً هو "الإنسان"، و"المجتمع"، "والكون"، و"المعنى"، و"الإمكان"، "والمستقبل"، و"الخير" … فإذا ما التحمت هذه بتلك، وتعلَّقت هاته بهاتيك، صدق أن نتلو قول الله تعالى: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا، وخير أملا"، وفي آية: "وخير مردًّا". وبيان ذلك مفصَّلا، فيما يلي:
أولا- فشل الأيديولوجيات:
لو أنَّ أحدا سئل عن أزمات هذا العصر، في شتى المستويات، السياسيةِ منها، والاجتماعية والنفسية، والاقتصادية … وغيرِها، ثم ادَّعى أنَّ الحلَّ لها لن يكون إلاَّ في "أيديولوجية" من "الأيديولوجيات" العريقة، لاتَّخذه عامة الناس، بله العلماءُ، مسخرةً ومهزلة، ولتيقَّنوا أنه يحيا منفصما عن زمانه ومكانه، وأنه أقربُ إلى عالَم الخيال منه إلى عالم الواقع. ذلك أنَّ جميع "الأيديولوجيات" قد جُرِّبت، ولعدَّة قرون خلت، فما أورثت البشريةَ
(1) - مجلة حراء، عدد 28، يناير فبراير 2012م.
(2) -لوموند ديبلوماتيك ( Le Monde Diplomatique)، عدد 3702، أكتوبر نوفمبر 2011م. الرابط:
http://www.mondiploar.com/article3702.html?
(3) - مدينة غازي عنتاب.
(4) - تركيا العثمانية.