مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

20 الشيخ عيسى- الشيخ الناصر في عليين

الجزء ٢١ · صفحة ٢٨٧

صانكم البرُّ الكريم من كلِّ بليَّة، ووقاكم من كل رزيَّة، ومتَّعكم الوليُّ الرحيم بكلِّ سنية، وجعل خطواتك هذه إلى جنات النعيم مطية.

نلتقي بعيون دامعة في هذه الساعة المباركة من هذا اليوم الخالد مساء الاثنين 12 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 16 ماي 2011م، ونحتشد بقلوب خاشعة في ربوع هذا المكان المقدس الطاهر، أحضانِ بيت من بيوت الله تعالى التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسمه لنقتبس من نور الخالق المعبود ما ينير لنا درب النجاة في اليوم الموعود، ونجتمع بهذا الحشد الهائل المنقطع النظير في المسجد الكبير لتوديع الرجل الصالح والولي الفالح الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري إلى مثواه الأخير، حيث الأحبةُ، محمدٌ وصحبُه، ينعمون بجوار الرفيق الأعلى، في رياض جنة المأوى. لقد انتابت فقيدَنا رحمه الله فترةٌ قصيرة من الضعف والشيبة، لم تشتعل به رأسه وقد أحفاها حلقا حاجًّا معتمرًا، بقدر ما تبدَّت وهنًا في عظمه الذي أرهقه في الدعوة إلى ربِّه داعيا منتصرًا، فكانت سببا في استشهاده، ومغادرته هذه الدنيا الفانية، ولحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمر حافل بالمكرمات قارب التسعين، ودهر كامل بالمنجزات حتى أتاه اليقين، قضى صباه في ميدان التعلُّم والتَّحصيل، وأفنى سواده وبياضه في التعليم والتبليغ والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مسلك وسبيل. وإنه لمصاب بنا حلَّ، و خطب علينا جلَّ، وإنه لمن البلية العظمى حقًّا أن تتوفَّى نفس مؤمنة، وأشد من ذلك أن تكون النفس المتوفاة رجلا مخلصًا يسمى ناصرًا، وقف عمره كلَّه في سبيل إعلاء كلمة الله ناصرًا، يذود عن حمى دينه في كلِّ ناد، ويرفع بناءه في كل واد، و يدفع بنيه إلى العمل بحزم في ميدان الجهاد، والتضحيةِ بعزم في خدمة العباد، والتفاني بصدق في سبيل مجد البلاد، والإخلاص التام لربِّ العباد، في أصعب الأوقات، وأشظف الأقوات، وأحلك الأزمات، وأوهن العزمات، مبتغيا الفوزَ بالجنان والحظوةَ بالرضوان، ورضوان من الله أكبر.

أيها الإخوة الأفاضل إنَّنا لعلى يقين تامٍّ بهول الصدمة التيِّ أنزلتها على قلوبكم هذه الوفاة، وبشدة البطشة التي أحلَّها على نفوسكم خالق الموت والحياة، ولكنَّني أقول - حضراتِ السادةِ المطمئنة قلوبهم – إنَّكم لن تبلغوا مدى الهول الذي أصابنا، وصدى الجزع الذي انتابنا - نحن معشر الذين جلسنا إلى فقيدنا قبل خمس ساعات من وفاته في رحاب معهد الحياة، لاستقبال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان، الذي زار الجزائر لحضور ملتقى ضوابط الفتوى في عاصمة الثقافة الإسلامية تلمسان، وأصر على الحضور إلى ميزاب لملاقاة صديقه الحميم الشيخ الناصر المرموري وقد سمع بمرضه، وما كان يخطر ببال من حضر أنَّ اللقاء سيكون وداعا لا لقاءَ بعده إلى يوم يقوم الأشهاد، ولو شهدتم معنا معشر الإخوة الطيبين الكلمة التيِّ ألقاها فضيلة الشيخ الناصر ترحيبا بضيفه العزيز لازداد عجبكم بتصرفات الذي يعلم السر وأخفى، ولازددتم ألما وحسرة بفراق من تحدَّث وأوفى، فقد خاطب سماحة الشيخ بنبرته الهادئة وأسلوبه المتَّزن، ومنطقه المرح قائلا: إنَّنا نحن معاشر المغاربة نستبشر باستقبال علماء المشرق في بلاد المغرب، ولكنَّنا نستاء بانتقال علماء المغرب إلى المشرق

٢٧٢ / ٣٠٤