20 الشيخ عيسى- الشيخ الناصر في عليين
الجزء ٢١ · صفحة ٢٨٨لأنَّ ذلك سيكون بمثابة طلوع للشمس من مغربها، فاستشهد ببيتين قيلا لعالم من علماء المغرب عزم على التنقل إلى بلاد المشرق
أشمس الغرب حقًّا ما سمعنا بأنَّك قد سئمتَ بنا الإقامة
وأنَّك عازمٌ على الرحيل لا تفعل فقد تقم القيامة
فضجَّ الشيخُ ومن في القاعة أُنسًا بهذا الكلام، ولكنَّ القدر قال لشيخنا المرحوم: إنَّ القيامة ستقوم عليك أنت، وأنت في بلاد المغرب، ومن مات فقد قامت قيامته. ثمَّ استأذن الشيخ في عدم متابعة الرحلة معه في القرارة لأنَّه سينتقل إلى غرداية لملاقاة طبيبه الذي يتابع فحصه غدًا، ولقد صدق الشيخ في كلامه حقًّا، ولكن كان اللِّقاء بعد خمس ساعات مع طبيب الأطباء خالق الداء والدواء، الذي قال له: إنَّه ليس لك من دائك شفاء في الفناء، وإنَّما دواؤك سيتناوله سائغا في دار البقاء. فيا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. ومقدِّر الأمر إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللطف فيه.
لقد كان شيخنا ناصر بن محمد المرموري منبعَ الصبر، وينبوعَ الصدق، ومعينَ الرضا، وبلسمَ الأذى، ورمزَ الفدا، ودليلَ الهدى، وكان المعزيَ عند حلول الكروب، والمسليَ عند نزول الخطوب، والمؤنسَ عند وحشة القلوب فلو قدِّر له أن يبعث ليعزي نفسه اليوم لما عزاها إلا بقوله محتسبا آمنا، إنا لله و إنا إليه راجعون. وإن رحيل الشيخ الكريم عنا كان أمرا مختوما، و قدرا محتوما، غير أنَّا لا نراه قد فارقنا إلا بجسده لا بحدثه، و بشبحه لا بروحه، لقد ترك فينا وفيكم سنيَّ خلاله، ورضيَّ خصاله، وجنيَّ فعاله، وهذا الذي يعزيه فينا، ولا يرضيه منَّا كثرة البكاء، أو ترديد العزاء بقدر ما يسرُّه أن نكون من بعده على سوي صراطه مهتدين، ولآثاره مقتفين، ولذكره صادقين. وما هذا الحشد الماثل، ولا هذا الوفد الحافل، ولا هذا المشهد الهائل إلا شهاداتُ صدق عند الكبير المتعال، لجهاد الرجل الصبور المثال، وألسنة الخلق أقلام الحق، فاسألوا عنه المحافل التي عمرها، والمنابر التي صعدها، والمدارس التي غشيها، والأيادي التي صنعها، والمكارم التي نشرها، والمغانم التي حررها، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، فرحماك رحماك شيخنا الفاضل، وسعداك سعداك محتفانا الماثل
أمَّا القبور فأنَّهنَّ أوانسٌ … بجوار قبركَ والديارُ قبورُ
عمَّت فواضلُه فعَّم مصابُه … والناسُ فيه كلُّهم مأزُورُ
ردَّت صنائعُه إليه حياتَه … فكأنَّه من نَشرِها مَنشُورُ
فيا أهل الفقيد وكلُّنا أهلُه، لتكن لنا ولكم في رسول الله، أسوة حسنة في وفاة أعز أهله وصحبه، لقد صبر واصطبر ابتغاء وجه الله، مسليا نفسه بالسعادة معهم في دار الخلد بجوار الله، فثقوا أعزاءنا الأفاضل بأنا وإياكم على خطى الدرب سائرون، و إلى نفس المعاد صائرون، فعزاؤنا فيكم أنكم أهل للعزاء، دأبنا فيكم أنكم أهل للوفاء، وديددننا فيكم أنكم أهل للولاء، فطيبوا نفسا، وقروا عينا، فالمولى جل في علاه يحرصكم، وعلى عينه يصنعكم، وحسبنا لكم عزاء مقولة المولى الكريم