مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

21 إتبيرن - في رثاء الشيخ الناصر

الجزء ٢٢ · صفحة ٢٩٦

والنهار}.

لقد ابتلينا قبل ما يربو على سنة بانطفاء سراج من السرج التي أنارت في الأمّة حقبة من الزمن، ولا يسعنا ابتداءً إلا أن نسلّم للقضاء الإلهيّ، ونعزّيَ أنفسنا قائلين: إنا لله وإنا إليه راجعون.

انطفأ سراج امتدّ نوره زماناً ومكاناً، وتغلغل إلى شغاف قلوبناً شيباً وشباناً، رحل فجأة وتركنا نعاني أسقاماً وأحزاناً، وخير عَزاءٍ لنا في مصابنا هذا هو موتُ سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي خاطبه ربه قائلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾(1)، وقال له أيضا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾(2)، فكل مصيبة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تهون:

وما فقد الماضون مثلَ محمّدٍ … ولا مثلُه حتى القيامة يفقدُ(3)

سنة مرَّت على فقد عزيز علينا وهو العلامة: الشيخ الناصر المرموري.

ونحن اليوم إن وقفنا ننعي فقيدنا، فلا ننعي جسده، بل أعماله ومآثره الخالدة، رجلٌ صدق ما عاهد اللهَ عليه، وأدّى الأمانة التي عاهد نفسه على حملها، فوهب لها حياته في الحل والترحال، ولم يمنعه من ذلك غنى ولا إقلال، فرغم أنه عانى من الفقر، إلا أنه لم يأبه لذلك ولم يجعل همه اكتساب المال، بل وهب حياته للعلم، فألقى الله محبته في قلوب الناس، وجعل له القبول بين أهل الأرض، وإنا لنرجوه كذلك عند أهل السماء، وألسنة الخلق؛ أقلام الحقّ.

وإن جئنا نعد مآثر وخصال فقيدنا؛ فلن نوفِّيَه حقّه حقَّ الوفاء، ولكن ما لا يُدرَك كلُّه، لا يُترَك كلُّه، فهذه قصيدة وُلدت من رحم رزية فقدنا لشيخنا الجليل الناصر المرموري، تواردت أبياتها على خاطري يوم فقده.

نعيٌ أتاني هدَّ من أركاني … واستلَّ منّي الروحَ من وجدَانِي

وبقيتُ أنظرُ للبسيطةِ حائرًا … ومُردِّدًا "شيخاهُ" كالحيران

يا أيُّها النَّاعي لعلَّكَ واهمٌ … ولعلَّ ما تتلُوهُ سَبْقُ لِسَان

أو أَنَّه أضغاثُ حُلْمٍ كاذبٍ … أو أنَّه نزغٌ من الشيطان

أحقيقةً طفئ السراجُ وأُسدلت … سُتُرٌ على "المرمورِ" قطبِ زَمان

أفَقَدنا من كان البياضُ يلفُّه … أنْعمْ به من مظهرٍ وجَنَان

أرُزءنا في شيخٍ كفانا مؤنةً … وفَّى لها في همَّة وتفاني

أوَ مات من سَكَنَ القلوبَ جميعَها … من بعد إلْف لُفََّ في الأكفان

(1) - سورة الزمر: الآية 30.

(2) - سورة الأنبياء: الآية 134.

(3) - هذا البيت من قصيدة لشاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حسّان بن ثابت رضي الله عنه.

٢٧٩ / ٣٠٤