24 جهلان- وثيقة العدد- رسالة الشيخ بيوض إلى آل بريان
الجزء ٢٥ · صفحة ٣٠٥قد يُقال إذا كنتَ قد ألقيتَ عصا التَّسيار بيننا فأعطِ للمقام حقَّه، وامكُث بيننا زمنًا طويلا. فأقول: إنَّني لأمكثُ هنا أطول ما يمكن أن أمكثه، فلا أغيِّر فأقصِّر من الوقت المحدَّد لبريَّان»(1).
لقد سجل لنا قلمُ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشيخ عدُّون ( T) أحداث الرحلة إلى ميزاب وإلى بريان بأدق تفاصيلها صغيرها وكبيرها، وإنَّ هذه التفاصيل ـ التي نقلها بدوره الشيخ محمَّد علي دبوز عن الشيخ عدُّون ـ لَتحتاج إلى دراسة متأنِّية مستفيضة، تستخلص القيم العظيمة المبثوثة في خطابات الشيخ التي كان يُلقيها في المحافل والاجتماعات والجلسات طيلة الرحلة، وتستكنِه الأسلوب الأدبيَّ الراقي الذي وسم خطابات تلك الفترة سواء ما ألقاه الشيخ أو ما ألقاه طلبتُه ومريدوه في كلِّ قرية من قرى ميزاب.
وبالعودة إلى سرِّ تأثُّر الشيخ بيُّوض بالاستقبال الذي حُظي به في بريان، والأسباب التي جعلت أيام بريان ترسُخ في ذاكرته سنين طويلة، نجد أنَّ عوامل متضافرة كونت هذا الإعجاب، منها:
أنَّ بريَّان كانت قبلة المشايخ العلماء للراحة والاستجمام، فكان قطب الأئمَّة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (و:1818 /ت:1914) يزورها مرتين في العام، في الربيع وفي الخريف، فيقيم فيها كل مرَّة أسبوعين أو أكثر. كما أنَّ الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي البكري(2) قد استقر بها واتخذها وطنَه بعد مسقط رأسه العطفاء، لما وجد فيها من تقدير للعلم وأهله، وأريحية أهلها وتعطشهم للإصلاح، فقضى فيها جلَّ عمره حتى وفاته.
والعامل الثاني وهو الأهم؛ أنَّ الشيخ بيُّوض لما زار بريَّان في سنة 1944، كان أغلب أهلها من أنصار النهضة العلمية والحركة الإصلاحية، فالجمعية الإصلاحية فيها تكوَّنت في وقت مبكر سنة 1927م، وازدهرت أنشطتها بمدارسها ونواديها ازدهارًا كبيرا خاصة في أواخر الثلاثينيات، فكانت بريان ـ بوفاق أهلها والتفاف عزَّابتها وعلمائها وقادتها وعامَّتها حول فكرة الإصلاح ـ ألطف مكان وأهدأ مُستَقرٍّ للشيخ بعد القرارة، فلا عَجَب أن يُكرَم فيها كلَّ ذلك الكرم، ويحظى فيها بتلك الحفاوة والألطاف والنِّعَم.
(1) -ينظر نص كلمة الشيخ بيُّوض المرتجلة ردا على خطاب الاستقبال الذي ألقاه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء4، ص: 181 ــــ 183.
(2) - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي الشهير بـ «البكري»، أحد أشهر أعلام الحركة الإصلاحية في ميزاب وفي الجزائر، فقيه وسياسي وأديب وشاعر، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، ورئيس مجلس عمي سعيد الهيئة العرفية العليا بميزاب، ولد بالعطف، سنة 1319هـ/ 1901 عاش قدرا كبيرا من حياته في بريان بداية من 1939، وعين عضوا في حلقة عزَّابتها ثم رئيسا للحلقة. ترك آثارًا جليلة تربو عن الخمسين مؤلفا، ما يزال أغلبها مخطوطا في مكتبته العامرة بمسقط رأسه. توفي في بريان يوم3 جمادى الأولى 1406 الموافق لـ 13 جانفي 1986. تنظر ترجمته الوافية رقم 548، ضمن: «معجم أعلام الإباضية»، قسم أعلام المغرب. نشر جمعية التراث. غرداية. 1999. ج3. ص: 521.