03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم
الجزء ٤ · صفحة ٣٢إلاَّ شقاءً وجحيمًا، ولم ينجُ من لظاها الشرقُ ولا الغرب، الأغنياءُ ولا الفقراء، المستعمِرون ولا المستعمَرون؛ جميعُهم كان ضحيةً بشكل أو آخر لتلك "الأيديولوجيات".
كتب "جون زيغلر" رفقة "إريَل دار كوستا" مؤلَّفا بعنوان "إلى غد يا كارل، حتى نخرج من نهاية الأيديولوجيات"(1)، والدلالة تعني بلا شكٍّ توديعَ "كارل ماركس" بأسلوبٍ ساخر، ومن خلاله "الماركسية" باعتبارها "أيديولوجية"؛ كما أنَّ "فانسون بابَن" قد تحدَّث عن "نهاية الأديولوجيات واختراع الرؤية الإيجابية للمستقبل"(2). وينقل الصحفي "فيكتور فييلفولت" في مذكراته، التي عنونها بـ"مذكرات الجنديِّ المكسيكيِّ المسلَّح"، أنَّ والده كان يحذِّره من كلِّ الكلمات التي تنتهي باللاحقة " isme"، يقول: "في كلِّ مراحل مراهقتي كنتُ أسمع والدي يحذِّرني من الكلمات التي تنتهي بـ"إيزم"، فإنها جميعا تُقصي، وتفرِّق، وتتسلَّل إلى الأقوال والأفعال فتنثر فيها بذور الشقاق"(3).
فلا مكان إذن، اليومَ "للإيديولوجيات"، سواء في ذلك ما كان في حقل العلم مثل "الداروينية" ( Darwinisme)، أو في مجال الفنون مثل "مذهب التعبيرية" ( Expressionnisme)، أو في الاقتصاد مثل الرأسمالية ( Capitalisme)، أو الفلسفة والابستمولوجية، مثل الأنثوية ( Féminisme)؛ وفي السياسة مثل الشيوعية ( Communisme) والعلمانية ( Laïcisme).
بل، وحتى ما يعرف في الأدبيات الإعلامية المعاصرة بالإسلاموية ( Islamisme)، ومنه الإسلاموي ( Islamist) أو حتى "الإسلامي" عادةً؛ ما هو إلاَّ توظيفٌ مغرض يُراد منه تشويهَ صورة الإسلام، وعرضه على نمطٍ "أيديولوجيٍّ"، وبالتالي دفعُ المستمع إلى التقزُّز من النسبة إلى الإسلام(4).
(1) - Jean Ziegler، Uriel Da Costa: A demain، Karl: Pour sortir de la fin des ideologies (Collection "Coups de gueule". 1991.
(2) - Questions de communication، Revue، No 12/ 2007. P425
(3) - Victor Vieilfault: Le chant des étincelles. lechantdesetincelles.over-blog.fr
(4) - نبَّه إلى هذا المزلق المفهومي الخطير الأستاذُ فتح الله كولن، في مقال "نظرة إجمالية إلى الإسلام"، وانظر ـــ مجلة حراء، العدد 24، مايو-يونيو 2011م. ومما يؤكد هذا التشويه المغرض، أنك لو أردت ترجمة كلمة الإسلام في القواميس المتخصِّصة، تجد مقابلها ( Islam)، (Islamisme). وكأنهما مترادفتان.