مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

03 باباعمي - البشرية الحائرة ودور العالم

الجزء ٤ · صفحة ٤٣

يقول بديع الزمان النورسي: "لقد افتديتُ دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ ايمان المجتمع. لم أذق طوال عمري البالغ نيفا وثمانين سنة شيئا من لذائذ الدنيا … قضيتُ حياتي في ميادين الحرب وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد، لم يبق صنفٌ من الآلام والمصاعب لم أتجرَّعه، عوملتُ معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونُفيت وغُرِّبت في أرجاء البلاد كالمشرَّدين، وحُرمت من مخالطة الناس شهورا في زنزانات البلاد، وسُمِّمت مرارًا، وتعرَّضت لإهانات متنوِّعة، ومرَّت عليَّ أوقات رجَّحت الموتُ على الحياة ألف مرَّة، ولولا أنَّ ديني يمنعني من قتل نفسي فربما كان سعيدٌ الآن ترابا تحت التراب .. »(1).

أمَّا مالك بن نبي فيكتب في بعض دفاتره ومذكِّراته: «مرَّة تلو أخرى لا أجد السلام لي في هذا العالم، إنها الخيبة والشكُّ في كلِّ شيء … إذا لم تتداركني رحمة الإله فأنا ضائع جسمًا وروحًا، مثل زورق في محيط تلهو به الأعاصير العاتية، متى تعرف طريقي نهايتَها إلى الجهة الأخرى من الحياة؟ يا ربِّ، امنحني بعض الأمتار، بعض السنتيمترات، أقصِّر بها طريقي الشقية، فأنا متعب»(2).

وما يضير العلماء الربانيين الوارثين، أنهم أوذوا وصبروا، فلم يبدِّلوا ولم يغيِّروا؛ وكانوا أصحاب رسالة ومشروع وغاية؛ لا طامعي حُظوة ومكانة وأجر؛ فهؤلاء وأمثالهم يصدق فيهم أنهم استناروا بمشكاة النبوة، وساروا على درب الأنبياء؛ وما أشبههم بسحرة فرعون حين قالوا لفرعون: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? … ? ? ? ? ? … ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (طه: 73).

هكذا فليكن العالم، أو ليصمت!

العالِم أوان الفتن (خاتمة):

أشدُّ الناس امتحانا وزلزلةً أوان الفتن العلماءُ، ذلك أنهم مأمورون شرعا بالوقوف إلى جوار الحقِّ، من جهةٍ؛ ومأمورون من جهةٍ ثانية بأن يطفئوا تلك الفتن بالحكمة، التي

(1) - كليات رسائل النور، سيرة ذاتية؛ تر. إحسان قاسم صالحي؛ نشر دار النيل؛ ط1: 1429/ 2008م. ص490 - 491

(2) - محمد باباعمي: مالك بن نبي، من سمات التخلف إلى بذور الحضارة؛ مجلة حراء، عدد 27، نوفمبر ديسمبر 2011م.

٤٠ / ٣٠٤