04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٥٨كما توقف الشيخ عن اعتقاد ما ورد من أخبار فِي تفاصيل وصف العرش، بل قال: «فليس من الشيء الكثير الذي ورد فِي هَذَا خبرٌ يقينيٌّ يُعتَمدُ عليه … ولندع هَذَا إِلَى الله، وإنما الذي نتيقّنه أن وصف العرش بالعظيم … نؤمن بأنّ العرش خلقٌ موجودٌ، وأن الله تعالَى جعل له حملةً، وحملته من خيار خلقه»(1)؛ فإن البحث عن التفاصيل التي سكتت عنها النصوص الصحيحة يشتّت فكر الدارس ويحجبه عن إدراك مرادها والاعتبار بها.
وبما أَنَّ أمورَ الغيب لا تؤخذُ إِلاَّ من القرآن أو السنة الصحيحة، فإن منهج الشيخ يعتبر السؤال عمّا ليس فيه دليلٌ قطعيٌّ تكلّفًا وفضولاً، فدأب عَلَى توجيه سائليه إِلَى الاهتمام بما يثمر البحث فيه إيمانًا وعملاً للمعاش والمعاد، ومن ذَلِكَ توجيه أحد سائليه عن مسائله التي تعدم الدليل القاطع: «فجوابنا عن سؤالك هَذَا هو: "الله أعلم" … والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية أولى وأحرى، لأنَّ البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقًا مهما طال وامتدَّ، فلا يعدو أن يكون تضييعًا للعمر فيما لا فائدة فيه»(2).
وبالمقابل فإنّ الشيخ يركز الكلام فِي قضايا الإيمان التي يجب عَلَى المؤمن اعتقادها، ويطيل الحديث فيها قصد التذكير والإقناع، خاصّة فِي القضايا التي أحسّ فيها من مخاطَبيه الشكّ، تأثّرًا بالأفكار الوافدة، وقد يصرّح الشيخ بهذه الطريقة، ومن ذلك قوله بعد طول بيان فِي موضوع "تزيين سوء العمل للإنسان": «وهكذا إِنَّمَا أطلت في هذا البيان لنحْذَرَ من طبقة الملاحدة وطبقة الشباب المنحرفين الذين يحسبون أَنَّهُم يحسنون صنعا بإنكار الأُلُوهِيَّة وإنكار البعث، وبالسخرية من شعائر الدين ومن المتمسِّكين بها، ويظنُّون أنفسهم العقلاء وغيرهم الجهلة المغفَّلين، إذ يؤمنون بما لا يرون، ويصدِّقون بما لا حقيقة له، على أَنَّ الله تعالى وصف المؤمنين أَوَّل ما وصفهم بقوله: ژ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ژ (البقرة: 2)»(3). وكان الشيخ يحذّر من البحث عن الكيفية في الشؤون الخاصة للذات الإلهية، لأنها مضيعة للوقت ومظنة للشك والزيغ، ويؤكد على ضرورة الإيمان إيمانًا غيبيًّا.