04 الشيهاني- سمات الدرس العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٦٠لم تكن حال الشيخ مع قومه بدعًا من حال الدعاة المجدّدين مع أقوامهم، لأنَّ من طبع البشر أن يتهيّبوا من الفكر الجديد ويتمسكوا بالمألوف التليد، بحجة أنهم وجدوا عليه الآباء والأجداد، ويجد الداعية صعوبة في الإقناع بوجوب اتباع الحقّ المؤيّد بالحجة والبرهان، قال الشيخ بيّوض: «ليس لك أنْ تقول: أوائلنا أو آباؤنا، وَإِنَّمَا ليس لك إِلاَّ حُجَّة عَقلِيَّة تقولها إذا قلت، أو حُجَّة نَقلِيَّة عن المعصوم، أَمَّا كلمة: ژ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ژ، فقد نَعَى الله تعالى عليها في كتابه في آيات كثيرة، لأَنَّهَا حُجَّة الضالِّين المتمسِّكين بعاداتهم وتقاليدهم، ومن العجيب أنْ يتمسَّك بها بعض من يزعم الإسلامَ والتمسُّكَ بالدِّين، فإذا دُعِي إلى ترك بِدْعة يقول: إِنَّا وجدنا آباءنا؛ أَمَّا لو قلت: هذا كلام الله، أو سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ما أجْمَعَت عليه الأُمَّة، فعلى الرأس والعين، أَمَّا قولك: إِنَّا "وجدنا آباءنا"، فَهَذَا باطل»(1).
إنَّ نبذ التقليد والتحرّر من التعلّق بالمألوف التليد يسهم فِي اتباعِ الحقّ بغضّ الطرف عمّن جاء به، وهذا يُعَدُّ خطوة عملية شجاعة في سبيل تحقيق وحدة المسلمين، وإذا أشربت القلوب طباعًا يصعب عَلَى أربابها تغييرها، فما عَلَى الداعية إِلاَّ أن يتدرّع بالجرأة والصبر لإصلاح ما كان منها مخالفًا للصواب بالحكمة وقوّة المنطق لا بمنطق القوّة، كذلك كان الشيخ بيّوض «يزيل الشبهات العالقة ببعض الأذهان، مبيّنًا المقاصد العليا للشريعة الإسلامية أو مجيبًا عن بعض الأسئلة الواردة فِي الموضوع بفصاحته المعهودة، وقوّة شخصيته المؤثرة، غير متملّقٍ ولا مدغدغ لعواطف الجمهور ممّن لا يزال يرزح تحت وطأة التقاليد، ولا ينفكّ عن قيود المألوف، وَهوَ الخبير بطبع المجتمع الذي يخاطبه، والحكيم فِي ابتهال الفرص المواتية والظروف المناسبة لإحداث التغيير دون رجّة تخلخل أركان المجتمع، أو ضجّة تعكّر هدوءه واستقراره»(2).
ثانيًا: توحيد المرجعية
يعنى بتوحيد المرجعية – في هذا السياق- الرجوع بالمسائل إلى مصادرها الأولى قبل حدوث الخلاف المذهبيّ فيها، وقبل أن تعتريها التفريعات والبدع، وقد كان الشيخ فِي مسيرته العلمية وحركته الإصلاحية حريصًا عَلَى تأصيل المسائل والمواقف التي يتبناها عَلَى ركيزتي النص والعقل، ومن ذلك دعوته المتمسّكين بتراث الأوائل أن يقتدوا بالرجل الأوّل فِي الأمة وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ونحن نقول مثل هذا الكلام للذين يتمسَّكون بالبِدع بناء على قولهم: إِنَّا وجدنا آباءنا، أو إِنَّا وجدنا أوائلنا ومشايخنا، نقول لهم: إِنَّ أوَّلكم هو النبيء - صلى الله عليه وسلم -، هل فعل شيئا مِمَّا تفعلون أمْ لا؟ فقولكم:"إِنَّا وجدنا آباءنا" لا يقوم حُجَّة إذا عارض آية صريحة أو سنَّة صحيحة، وقولكم هذا قد يُقْبَل مالم يُعارِض الطريق الذي سلكه السلف الأوَّلون: النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه الله تعالى: ژ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ژ (الأحزاب: 21)، ومن بعده من خلفائه وصحابته - رضي الله عنهم -»(3).
كما كان الشيخ يحثُّ طلبته عَلَى روح البحث والمقارنة والنقد «ليطلعوا عَلَى أقوال المذاهب الإسلامية ويقارنوا بينها فيدركوا بالأدلّة القويّة الأصحّ منها، فلا يكونوا مقلّدين، ويعلّمهم فنّ البحث والنقد»(4)؛ ومن المسائل التي اتّخذ فيها الشيخ بيّوض موقفًا مستقلاًّ استنادًا إلى توحيد المرجعية موقفه من الصحابة - رضي الله عنهم -.
ثالثا: موقف الشيخ بيّوض فيما شجر بين الصحابة - رضي الله عنهم -
اِصطفى الله لنبيّه صحابة أخيارًا من المهاجرين والأنصار، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله فاستحقّوا نصرته ورضوانه(5)، وألزمهم كلمةَ التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلَها، وقدّر الله أن يبلو هَذَا الرعيل الأوّل بفتن سالت بسببها دماء وزهقت أرواح …
كانت هذه الأحداث ابتلاء للأمة الإسلامية من حيث تصدّع صفّها ومن حيث الخوض فيها إشباعًا لفضولٍ أو انتصارًا لحزب أو تبيّنًا قصد تطبيق الولاية والبراءة الشخصيتين.
يرى الشيخ بيّوض وجوبَ الوقوف وعدمَ الخوض فيما شجر بين الصحابة الكرام،
(1) في رحاب القرآن، سورة الزخرف:17/ 462.
(2) إبراهيم بيّوض، حديث الشيخ الإمام فِي صلاة الجمعة وما لها من الأحكام، الحلقة الثانية، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش):55.
(3) في رحاب القرآن، سورة الزخرف:17/ 465.
(4) محمد علي دبوز: نهضة الجزائر: 1/ 372.
(5) ألقى الشيخ بيّوض فِي مسجد القرارة، عام 1975م سلسلة من الدروس فِي هَذَا الموضوع فِي ثلاث حلقات، استنسخت ثُمَّ حققت وطبعت تحت عنوان: "فضل الصحابة والرضا عنهم" إعداد وتحقيق: بهون بن يوسف حميد أوجانة، إشراف الدكتور محمد بن موسى بابا عمي، معهد الحياة القرارة (غرداية) الجزائر، قسم التخصص شريعة، محرم 1417هـ/ جوان1996م.