الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لعمر بن أبي ربيعة

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

المهاةُ، البقرةُ في هذا الموضعِ، وتشبه المرأة بالبقرة من الوحش لحسن عينيها ولمشيتها، والبقرةُ يقال لها: العيناءُ، والجماعُ العينُ، وكذلك يقالُ للمرأةِ. وتكون المهاةُ البلورة في غير هذا الموضعِ.

وقوله: تهادى يريدُ: يهدي بعضها بعضاً في مشيتها، ومشية البقرةِ تستحسنُ، قال ابن أبي ربيعةَ:

أبصرتها ليلة ونسوتها … يمشين بين المقامِ والحجرِ

يمشين في الريط والمروط كما … تمشي الهويني سواكنُ البقرِ

وقوله: كواعب الواحدةُ كاعبٌ، وهي التي قد كعب ثدياها للنهود. أترابٌ: أقرانٌ، ويقال: تربُ فلانٍ.

والممكورة: المكتنزة.

وقوله:

ثم قالوا تحبها قلتُ بهراً

قال قوم: أراد بقوله: تحبها الستفهام، كما قال امرؤ القيس:

أحارِترى برقاً أريكَ وميضهُ

فحذف ألف الاستفهام، وهو يريد أترى، وقولوا: أراد أتحبها، وهذا خطأ فاحشٌ، إنما يجوز حذف الألفِ إذا كان في الكلامِ دليلٌ عليها، وسنفسرُ هذا ونذكرُ الصوابَ منه، إن شاء الله.

قوله: تحبها إيجاب عليه، غير استفهامٍ؛ إنما قالوا: أنت تحبها، أي قد علمنا ذاك، فهذا معنى صحيحٌ لا ضرورة فيهِ.

وأما قولُ امرىء القيس فإنما جاز لأنه جعل الألف التي تكونُ للاستفهام تنبيهاً للنداءِ، واستغنى بها، ودلت على أن بعدها ألفاً منويةً، فحذفت ضرورةً، لدلالة هذه العليها. ونظير قول امرىء القي: " أحار ترى برقاً " فاكتفى بالألفِ عنِ أن يعيدها في ترى قول ابن هرمة:

ولا أراها تزالُ ظالمةً … تظهر لي قرحة وتنكؤها

استغنى بلا الأولى عن إعادتها؛ كما قال التميمي. وهو اللعين المنقري:

لعمرك ما أدري وإن كنتُ دارياً … شعيث بن سهم أم شعيث بن منقرِ

مثل ذلك: وبيت الأخطل فيه قولان، وهو:

كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ … علس الظلامَ من الربابِ خيالاَ

قال: أراد: " أكذبتك عينكَ " كما قلنا فيما قبله، وليس هذا بالأجود، ولكنه ابتدأ متيقنا ثم شك، فأدخل أم كقولك: إنها لإبل ثم تشك فتقول: أم شاء يا قوم.

وقوله: قلت بهراً يكون على وجهين؛ أحدهما: حباً يبهرني بهراً.

أي يملأني، ويقال للقمر ليلة البدرِ: باهرٌ، أييبره النجوم، يملأها، كما قال ذو الرمة:

كما يبهر البدرُ النجومَ السواريا

وقال الأعشى:

حكمتموه فقضى بينكمُ … أبلج مثل القمرِ الباهرِ

ولوجهُ الآخر: أن يكون أراد بهراً لكم أي: تباً لكم حيث تلومونني على هذا، كما قال ابن ميادة:

تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي … بجاريةٍ بهراً لهم بعدها بهرا

وقوله:

عدد النجم والحصى والترابِ

فيه قولان: أحدهما أنه أراد بالنجم النجوم، ووضع الواحد في موضع الجمع، لأنه للجنس؛ كما تقول: أهلك الناس الدرهم والدينارُ، وقد كثرتِ الشاةَ والبعيرُ، وكما قال الله جل وعزَّ: " إن الإنسان لفي خسرٍ إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحاتِ " العصر: 2 - 3.

وقال الشاعر:

فبات يعدُّ النجمَ في مستجيرةٍ … سريعٍ بأيدي الآكلين جمودها

يريد النجمَ، ويعني بالمستجيرة إهالة. والوجهُ الآخرُ أن يكون النجمُ ما نجمَ من النبتِ، وهو ما لم يقم على ساقٍ، والشجرُ ما يقوم على ساقٍ. واليقطين: ما انتشر على وجه الأرض. قال الله عز وجل: " والنجم والشجرُ يسجدانِ " الرحمن: 6، وقال الحارث بن ظالمٍ، للأسودِ بن المنذر بنماء السماء:

أخصيي حمارٍ بات يكدم نجمةً … أيؤكل جيراني وجارُكَ سالمُ!

ومن طريف شعره قوله:

فلما فقدتُ الصوتَ منهم وأطفئت … مصابيحُ شبت بالعشاءِ وأنؤرُ

وغاب قمير كنت أرجو غيوبه … وروح رعيانٌ ونومَ سمرُ

ونفضت عني العين أقبلت مشية ال … حباب وركبي خيفة القوم أزورُ

فحييتُ إذ فاجأتها فتولهت … وكادت بمكنون التحيةِ تجهرُ

وقالت وعضت بالبنانِ: فضحتني … وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسرُ

أريتك إذ هنا عليك ألم تخف … رقيباً وحولي من عدوكَ حضرُ

واللهِ ما أدري أتعجيلُ حاجةٍ … سرت بك أم قد نامَ من كنت تحذرُ

١٧٣ / ٣٣٦