ضروب الكلام
الجزء ١ · صفحة ١٨٦والفضل: مشية فيها اختيالٌ، كأنّ مشيتها تخرج عن خطامها فتفضل عليه، والأصل في ذلك أن يمشي الرجل وقد أفضل من إزاره، وتمشي المرأة وقد أفضلت من ذيلها، وإنما يفعل ذلك من الخيلاء، ولذلك جاء في الحديث: " فضل الإزار في النار " ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي تميمة الهجيميِّ: " وإيَّاك والمخيلة " ، فقال: يا رسول الله، نحن قومٌ عبر، فما الخيلة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سبل الإزار " .
وقال الشاعر:
ولا ينسيني الحدثان عرضي … ولا أرخي من المرح الإزارا
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاريُّ:
تمشي الهوينى إذا مشت قطفاً … كأنَّها عود بانةٍ قصف
قال أبو الحسن: هذا وهم من أبي العباس، وما تروى إلاّلقيس بن الخطيم الأنصاري .
وقال الوليد بن يزيد:
أنا الوليد الإمام مفتخراً … أنعم بالي وأتبع الغزلا
أنقل رجلي إلى مجالسها … ولا أبالي مقال من عذلا
غرَّاء فرعاء يستضاء بها … تمشي الهوينى إذا مشت فضلا
ثم نعود إلى الباب، قال الراجز يصف إبلاً أو نوقاً:
إنَّ لها لسائقاً خدلَّجا … لم يدلج الليلة فيمن أدلجا
الخدلَّج: المدمج السَّاقين، وإنما عنى المرأة التي ساقه حبُّه إليها.
ضروب الكلام
والكلام يجري على ضروب؛ فمنه ما يكون في الأصل لنفسه، ومنه ما يكنى عنه بغيره، ومنه ما يقع مثلاً، فيكون أبلغ في الوصف.
والكناية تقع على ثلاثة أضربٍ: أحدها: التَّعمية والتَّغطية، كقول النابغة الجعديّ: أكنِّي بغير اسمها وقد علم الله خفيات كلِّ مكتتم وقال ذو الرُّمَّة، استراحةً إلى التصريح من الكناية:
أحبُّ المكان من أجل أنَّني … به أتغنّى باسمها غير معجم
وقال أحد القرشيين:
وقد أرسلت في السرِّ أن قد فضحتني … وقد بحت باسمي في النَّسيب وما تكني
ويروى أن عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة قال شعراً، وكتب به إلى امرأةٍ محرمةٍ بحضرة ابن أبي عتيق، وهو:
ألما بذاتِ الخالِ فاستطلعا لنا … على العهد باقٍ ودها أم تصرما
وقولاَ لها إن النوى أجنبيةٌ … بنا وبكر قد خفت أن تتيمما
قال: فقال له ابن أبي عتيقٍ: ماذا تريد إلى امرأةٍ مسلمةٍ محرمة تكتبُ إليها بمثل هذا الشعر! قال: فلما كان بعد مديدةٍ قال له ابن أبي ربيعة: أعلمتَ أن الجوابَ جاء من عندِ ذاك الإنسان؟ فقال له: ما هو؟ فقال: كتبت:
أضحى قريضكَ بالهوى نماما … فاقصد هديتَ وكن له كتاما
واعلم بأن الخال حين ذكرته … قعد العدو به عليك وقاما
ويكن من الكناية - وذاك أحسنها الرغبةُ عن اللفظ الخسيس المفحش إلىما يدل على معناه من غيره، قال الله - وله المثل الأعلى: " أحل لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائِكمُ " البقرة: 187 وقال: " أو لمستمُ النساءَ " النسا: 43 والملامسة في قول أهل المدينة - مالكٍ وأصحابه - غير كنايةٍ، إنما هو اللمسُ بعينه، يقولون في الرجلِ تقع يده على امرأته أو على جاريتهِ بشهوةٍ: إن وضوءه قد انتقض.
وكذلك قولهم في قضاء الحاجةِ: جاء فلان من الغائطِ، وإنما الغائط الوادي، وكذلك المرأةُ، قال عمروُ بن معدي كرِب الزبيديُّ:
فكم من غائطٍ من دون سلمى … قليل الأنس ليس به كتيعُ
وقال الله جل وعزَّ في المسيح ابن مريمَ وأمهِ صلى الله عليهما: " كانا يأكلان الطعامَ " المائدة: 75، وإنما هو كنايةٌ عن قضاء الحاجة. وقال: " وقولوا لجلودهم لم شهدتم علينا " فصلت: 21؛ وإنما هي كنايةق عن الفروج. ومثل هذا كثيرٌ.
والضرب الثالث من الكناية: التفخيم والتعظيمُ، ومنه اشتقت الكنيةُ وهو أن يعظمض الرجل أن يدعى باسمه، ووقعت في الكلام على ضربين: وقعت في الصبيِّ على جهة التفاؤل؛ بأن يكون له ولدٌ ويدعى ولده كنايةً عن أسمه، وفي الكبير أن ينادى باسم ولده صيانةً لاسمهِ؛ وإنما يقال: كنيَ عن كذا بكذا، أي تركَ كذا إىل كذا، لبعض ما ذكرنا.