الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لعمر بن أبي ربيعة

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

فقلت لها: بل قادني الشوق والهوى … إليك وما عينٌ من الناس تنظرُ

فيا لك من ليلٍ تقاصرَ طولهُ … وما كان ليلي قبلَ ذلك يقصرُ

ويا لك من ملهى هناك ومجلسٍ … لنا لم يكدره علينا مكدرُ

يمج ذكيَّ المسكِ منها مفلجٌ … رقيقُ الحواشي ذو غروبٍ مؤشرُ

يرفُّ إذا يفترُّ عنه كأنهُ … حسى بردٍ أو أقحوانٌ مغورُ

وترنو بعينيها إلي كما رنا … إلى ربابٍ وسط الخميلةِ جؤذرُ

فلما تقضي الليلُ إلا أقلهُ … وكادت توالي نجمه تتغورُ

أشارت بأن الحيَّ قد حان منهمُ … هبوبٌ ولكن موعدٌ لك عزورُ

فما راعني إلا منادٍ برحلةٍ … وقد لاح مفتوقٌ من الصبح أشقرُ

فلما رأت من قدر تثورَ منهمُ … وأيقاظهم قالت أشرْ كيف تأمرُ

فقلت: أباديهم فإما أفوتهم … وإما ينالُ السيفُ ثأراً فيثأرُ

فقالت: أتحقيقاً لِما قال كاشحٌ … علينا، وتصديقاً لما كان يؤثر!

فإن كان ما لا بد منه فغيره … من الأمر أدنى للخفاءِ واسترُ

لعلهما أن تبغيا لك مخرجاً … وأن ترحبا سرباً بما كنتُ أحصرُ

فقامت كئيباً ليس في وجهها دمٌ … من الحزنِ تذري عبرةٌ تتحدرُ

فقالت لأختيها: أعينا على فتى … أتى زائراً والأمر للأمر يقدرُ

فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا: … أقلي عليكِ الهمَّ فالخطبُ أيسرُ

يقوم فيمشي بيننا متنكراً … فلا سرنا يفشو ولا هو يظهرُ

فكان مجني دون من كنتُ أتقي … ثلاثُ شخوصٍ كاعبانٍ ومعصرُ

فلما أجزنا ساحةَ الحي قلن لي: … ألم تتقِ الأعداءَ والليلُ مقمرُ!

وقلن: أهذا دأبك الدهرَ سادراً … أما تستحي أو ترعوي أو تفكرُ!

قوله: شبت يقول: أوقدت، يقالُ: شببتُ النارَ والحربَ، أي أوقدتهما.

وقوله: وأنؤر إن شئت همزتَ، وإن شئت لم تهمز، وإنما الهمز لانضمام الواو، وقد مضى تفسير هذا.

وقوله: قميرٌ، إنما صغره لأنه ناقصٌ عن التمام، وهذا في أول الشهر، وكذلك يصغرُ في آخر الشهر، لأن النقصان فيهما واحدٌ، قال عمرُ:

وقميرُ بدا ابن خمسٍ وعشري … ن له قالتِ الفتاتان قوما

وقوله: رعيانٌ يريد جمع الراعي، ومثله: راكبٌ وركبانٌ، وفارسٌ وفرسانٌ.

والسمرُ: جمع السامرِ، وهم الجماعة يتحدثون ليلاً.

والحباب: حيةٌ بعينها.

وقوله: ونفضت عني العين يقول: احترستُ منها وأمنتها، والنفضة: أمامَ العسكر: القوم يتقدمون فينفضون الطريق.

وقوله: أزورُ، يعني متجافياً، يقال: تزاور فلانٌ؛ إذا ذهب في شقٍّ.

وقوله: ذو غروبٍ؛ غربُ كل شيءٍ: حده، وإنما يعني الأسنانَ.

وقوله: مؤشرُ يعني له أشرٌ، وهو تشريرُ الأسنان في قول الناس جميعاً، يقال: لأسنانه أشرٌ، فهذا الشائعُ الذائع، وأما الشنبُ، فهو عندهم جيمعاً بردٌ في الأسنان.

وحدثني الرياشي عن ابن عائشة قال: أخذ أبي حبةَ رمانٍ بين إصبعيه فإذا هي ترفُ، فقال: هذا الشنبُ.

وقوله:

وكادت توالي نجمه تتغورُ

التوالي: التوابعُ، وتتغورُ: تغورُ فتذهب، وهو مأخوذ من الغور.

وقوله: " أشارت بأن الحي قد حان منهم هبوبٌ " يقول: انبتاهٌ، يقال: هبَّ من نومه يهبُّ، قال عمرو بن كلثومٍ:

ألا هبي بصحنكِ فاصبحينا … ولا تبقي خمورَ الأندرينا

وقال الاخر:

هبت تلومُ وليست ساعةَ اللاحي … هلا انتظرت بهذا اللومِ إصباحي

وعزور: موضع بعينه.

وقوله: ويقاظهم جمع يقظ.

وقوله: فقالت أتحقيقاً أي أتفعل هذا تحقيقاً، ومن كلام العرب: أكلُّ هذا بخلاً؟ وذاك أنه رآه يفعل شيئاً أنكره فقال: أتفعل كل هذا بخلاً! وقوله: أباديهم أظهر لهم، غير مهموزٍ يقال. بدا يبدو، غير مهموزٍ، إذا ظهر، وبدأت بهذا، مهموزٌ، إذا أردت به معنى الأول.

وقوله: بدء حديثنا يريد أول حديثنا.

١٧٤ / ٣٣٦