الفرزدق عند هروب ابن هبيرة من سجنه
الجزء ١ · صفحة ٢١٣دعوت الذي ناداه يونس بعد ما … ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة … وما سار سار مثلها حين أدلجا
خرجت ولم يمنن عليك طلاقة … سوى ربد التقريب من نسل أعوجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق! هجاني أميراً، ومدحني أسيراً.
قوله: حيث أدلجا. تقول: أدلجت، إذا سرت في أول الليل. وادلجت، إذا سرت من آخره في السحر. قال زهير.
بكرن بكوراً وادلجن بسحرة … فهن لوادي الرس كاليد للفم
وأعوج: فرس كان لغني، وقالوا، كان لبني كلاب. ولا ينكر هذا، لأن خبيبة بنت رياح الغنوية، ولدت بني جعفر بن كلاب. فلعله أن يكون صار إلى بني جعفر بن كلاب من غني.
والعرب تنسب الخيل الجياد إلى أعوج، وإلى الوجيه، ولاحق، والغراب، واليحموم، وما أشبه هذه الخيل من المتقدمات. قال زيد الخيل:
جلبنا الخيل من أجإ وسلمى … تخب نزائعاً خبب الذئاب
جلبنا كل طف أعوجي … وسلهبة كخافية العقاب
ثم نرجع إلى التشبيه المصيب؛ قال امرؤ القيس في طول الليل:
كأن الثرا علقت في مصامها … بأمراس كتان إلى صم جندل
فهذا في ثبات الليل وإقامته. والمصام: المقام. وقيل للممسك عن الطعام: صائم، لثباته على ذلك، ويقال: صام النهار: إذا قامت الشمس. قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة، … ذمول إذا صام النهار وهجرا
وقال النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة … تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
والأمراس: جمع مرس، وهو الحبل. قال أبو زبيد يرثي غلامه ويذكر تعرضه للحرب :
إما تقارن بك الرماح فلا … أبكيك إلا للدلو والمرس
وقال في ثبات الليل:
فيا لك من ليل كأن نجومه … بكل مغار الفتل شدت بيذبل
المغار: الشديد الفتل. يقال: أغرت الحبل: إذا شددت فتله. ويذبل: جبل بعينه.
وقال أيضاً:
كأن أباناً في أفانين ودقه … كبير أناس في بجاد مزمل
أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض. قال المهلهل - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج. وجنب حي من أحيائهم وضيع - فخطبت ابنته ومهرت أدما. فلم يقدر على الامتناع، فزوجها، وقال:
أنكحها فقدها الأراقم في … جنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها … ضرج من أنف خاطب بدم
وقوله: في أفانين ودقه يريد ضروباً من ودقه. والودق: المطر. قال الله تبارك وتعالى: " فترى الودق يخرج من خلاله " " النور: 43 " .
وقال عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها
وقوله:
كبير أناس في بجاز مزمل
يريد مزملاً بثيابه. قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا " " المزمل: 1 - 2 " . وهو المتزمل بثيابه . والتاء مدغمة في الزاي. وإنما وصف امرؤ القيس الغيث. فقال قوم: أراد أن المطر قد خنق الجبل فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل.
وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت. وكلاهما حسن. وذكر الودق لأن تلك الخضرة من عمله.
وقال الراجز يصف غيماً:
أقبل في المستن من ربابه … أسنمة الآمال في سحابه
أراد أن ذلك السحاب، ينبت ما تأكله الإبل، فتصير شحومها في أسنمتها.
والرباب سحاب دوين المعظم من السحاب، قال المازني :
كأن الرباب دوين السحاب … نعام يعلق بالأرجل
وقوله جل وعز: " إني أراني أعصر خمراً " " يوسف: 36 " . أي أعصر عنباً فيصير إلى هذه الحال.
وقال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل … نزلن به حب الفنا لم يحطم
الفنا: شجر بعينه، يثمر ثمراً أحمر ثم يتفرق في هيئة النبق الصغار، فهذا من أحسن التشبيه. وإنما وصف ما يسقط من أنماطهن إذا نزلن.
والعهن: الصوف الملون في قول أكثر أهل اللغة. وأما الأصمعي فقال: كل صوف عهن. وكذلك قال أهل اللغة: الحنتم الخزف الأخضر. وقال الأصمعي: كل خزف حنتم. قال القرشي :
من مبلغ الحسناء أن حليلها … بميسان يسقى في زجاج وحنتم