الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

طرائف من تشبيهات المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

وقوله: أزهاه طول نجاد، النجاد: حمائل السيف، وأزهاه: رفعه وأعلاه، والرجل يمدح بالطول، فلذلك يذكر طول حماله. قال مروان بن أبي حفصة يمدح المهدي:

قصرت حمائله عليه فقلصت … ولقد تأنق قينها فأطالها

وقال الحسن بن هانئ يمدح محمداً الأمين:

سبط البنان إذا احتبى بنجاده … عمر الجماجم ولا سماط قيام

وقال جرير للفرزدق:

تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنع … إلى الغر من أهل البطاح الأكارم

فإني لأرضى عبد شمس وما قضت … وأرضى الطوال البيض من آل هاشم

وقال الآخر:

لما التقى الصفان واختلف القنا … نهالا وأسباب المنايا نهالها

تبين لي أن القماءة ذلة … وأن أشداء الرجال طوالها

وقوله: أمام خميس، الخميس ههنا: الجيش، وكذلك قال ربيئة أهل خيبر، لما أطل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم: محمد الخميس، أي والجيش. وقال الشاعر، وهو طرفة:

وأي خميس لا أفأنا تهابه … وأسيافنا يقطرن من كبشه دما

أفأنا: رددنا. يقال: أفاءه يفيء إذا رد. والأرجوان: الأحمر . قال الشاعر:

عشية غادرت خيلي حميداً … كأن عليه حلة أرجوان

والجياد: الخيل. وفي القرآن: " إذا عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد " " ص: 31 " .

ومن تشبيهه الجيد في هذا الشعر الذي ذكرنا قوله:

ترى الناس أفواجاً إلى باب داره … كأنهما رجلا دبى وجراد

فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى … ويوم رقاب بوكرت لحصاد

ومن التشبيه الجيد قوله :

فكأني بما أزين منها … قعدي يزين التحكيما

وكان سبب هذا الشعر أن الخليفة تشدد عليه من شرب الخمر، وحبسه من أجل ذلك حبساً طويلاً، فقال:

أيها الرائحان باللوم لوما … لا أذوق المدام إلا شميما

نالني بالملام فيها إمام … لا أرى لي خلافه مستقيما

فاصرفاها إلى سواي فإني … لست إلا على الحديث نديما

كبر حظي منها إذا هي دارت … أن أراها وأن أشم النسيما

فكأني بما أزين منها … قعدي يزين التحكيما

لم يطق حمله السلاح إلى الحر … ب فأوصى المطيق ألا يقيما

فهذا المعنى لم يسبقه إليه أحد.

قال: وحدثت أن العماني الراجز أنشد الرشيد في صفة فرس:

كأن أذنيه إذا تشوفا … قادمة أو قلماً محرفا

فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد منهم أحد لإصلاح البيت إلا الرشيد. فإنه قال له: قل: تخال أذنيه إذا تشوفا. والراجز وإن كان لحن فقد أحسن التشبيه.

ويروي أن جريراً دخل إلى الوليد، وابن الرقاع العاملي عنده ينشده القصيدة التي يقول فيها:

غلب المساميح الوليد سماحة … وكفى قريش المعضلات وسادها

قال جرير: فحسدته على أبيات منها، حتى أنشد في صفة الظبية:

تزجي أغن كأن إبرة روقه

قال: فقلت في نفسي: وقع والله، ما يقدر أن يقول أو يشبه به، قال: فقال:

قلم أصاب من الدواة مدادها

قال: فما قدرت حسداً له أن أقيم حتى انصرفت.

ومن التشبيه الحسن الذي نستطرفه قوله:

تعاطيكها كف كأن بنانها … إذا اعترضتها العين صف مداري

ومن التشبيه المليح قوله:

وكأن سلمى إذ تودعنا … وقد اشرأب الدمع أن يكفا

رشأ تواصين القيان به … حتى عقدن بأذنه شنفا

وفي هذا الشعر من التشبيه الجيد قوله :

خير فؤادك أو ستخبره … قسماً لينتهين أو حلفا

الحب ظهر أنت راكبه … فإذا صرفت عنانه انصرفا

ومن التشبيه الجيد قوله :

إليك رمت بالقوم خوص كأنما … جماجمها فوق الحجاج قبور

وله أيضاً:

سأرحل من قود المهارى شملة … مسخرة ما تستحث بحادي

مع الريح ما راحت فإن هي أعصفت … نهور برأس كالعلاة وهادي

العلاة: السندان، قال جرير:

أيفخر بالمحمم قين ليلى … وبالكير المرقع والغلاء

وقال الحسن بن هانئ في صفة السفينة:

٢٢٤ / ٣٣٦