الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

طرائف من تشبيهات المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

بنيت على قدر ولاءم بينها … طبقان من قير ومن ألواح

فكأنها والماء ينطح صدرها … والخيزرانة في يد الملاح

جون من العقبان يبتدر الدجى … يهوي بصوت واصطفاق جناح

وقال في شعر آخر، يصف الخمر، ويذكر صفاءها ورقتها، وضياءها وإشراقها:

إذا عب فيها شارب القوم خلته … يقبل في داج من الليل كوكبا

فأما قوله:

بنينا على كسرى سماء مدامة … جوانبها محفوفة بنجوم

فلو رد في كسرى بن ساسان روحه … إذاً لاصطفاني دون كل نديم

فإنما كانت صورة كسرى في الإناء. وقوله:

جوانبها محفوفة بنجوم

فإنما يريد ما تطوق به من الزبد.

وقد قال في أخرى.

أول الشعر من غير الأم .

ودار ندامى خلفوها وأدلجوا … بها أثر منهم جديد ودارس

مساحب من جر الزقاق على الثرى … وأضعاث ريحان جني ويابس

حبست بها صحبي فألفت شملهم … وإني على أمثال تلك لحابس

أقمنا بها يوماً ويوماً وليلة … ويوماً له يوم الترحل خامس

تدار علينا الراح في عسجدية … حبتها بأنواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها … مهاً تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها … وللماء ما دارت عليه القلانس

العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب.

وقال المثقب العبدي:

قالت ألا تشتري ذاكم … إلا بما شئنا ولم يوجد

إلا ببدري ذهب خالص … كل صباح آخر المسند

من مال من يجني ويجني له … سبعون قنطاراً من العسجد

وقوله: تدريها أي تختلها. يقال: دريت الصيد. إذا ختلته. قال الأخطل:

وإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني … بسهمك والرامي يصيد وما يدري

وقال الحسن بن هانئ:

ما حطك الواشون من رتبة … عندي ولا ضرك مغتاب

كأنما أثنوا ولم يعلموا … عليك عندي بالذي عابوا

وهذا المعنى عندي مأخوذ من قول النعمان بن المنذر لحجل بن نضلة، وقد ذكر معاوية بن شكل، فقال: أبيت اللعن! إنه لقعو الأليتين، مقبل النعلين، فجج الفخذين، مشاء بأقراء، تباع إماء، قتال ظبآء. فقال النعمان: أردت أن تذيمه فمدهته.

قوله: مقبل النعلين، يقول: لنعله قبال. ينسبهإلى الترفه. وتباع إماء، وقتال ظباء، من ذلك.

والقعو: ما تدور فيه البكرة إذا كان من خشب.

وقوله: تذيمه معناه تذمه. يقال: ذمه يذمه ذماً وذامه يذيمه ذيماً، وذأمه يذأمه ذأما. والمعنى واحد، قال الله تبارك وتعالى: " اخرج منها مذءوماً مدحورا " " الأعراف: 18 " .وقال الحارث بن خالد المخزومي لعبد الملك:

صحبتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها

وقوله: فمدهته يريد مدحته. فأبدل من الحاء هاء، لقرب المخرج، وبنو سعد بنزياد مناة بن تميم كذلك تقول: ولخم ومن قاربها.

قال رؤبة:

لله در الغانيات المده … سبحن واسترجعن من تألهي

يريد المدح، وفي هذه الأرجوزة:

براق أصلاد الجبين الأجله

يريد الأجلح، والعرب تقول: جلح الرجل جلحاً، وجله يجله جلهاً، وجلي يجلي جلى، والمعنى واحد، قال العجاج:

مع الجلا ولائح القتير

ومثل بيت الحسن وكلام النعمان قول عمرو بن معد يكرب:

كأن محرشاً في بيت سعدي … يعل بعيبها عندي شفيع

وفي قصيدة الحسن هذه:

إن جئت لم تأت وإن لم أجئ … جئت، فهذا منك لي داب!

كأنما أنت وإن كنت لاتكذب في الميعاد كذاب

وهذا كلام طريف.

ومن حسن تشبيه المحدثين قول بشار بن برد العقيلي :

وكأن تحت لسانها … هاروت ينفث فيه سحرا

وتخال ما جمعت عليه … بنانها ذهباً وعطرا

وهذا التشبيه الجامع.

ونظيره في جمع شيئين لمعنيين ما ذكرت لك من قول مسلم بن الوليد:

كأن فيسرجه بدراً وضرغاما

ومن حسن التشبيه من قول المحدثين قول عباس بن الأحنف:

٢٢٥ / ٣٣٦