الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

طرائف من تشبيهات المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

أحرم منكم بما أقول وقد … نال به العاشقون من عشقوا

صرت كأني ذبالة نصبت … تضيء للناس وهي تحترق

فهذا حسن في هذا جداً.

ومن حسن ما قالوا في التشبيه قول إسماعيل بن القاسم، أبي العتاهية للرشيد:

أمين الله أمنك خير أمن … عليك من التقى فيه لباس

تساس من السماء بكل فضل … وأنت به تسوس كما تساس

كأن الخلق ركب فيه روح … له جسد وأنت عليه راس

وقد أخذ هذا المعنى علي بن جبلة، فقال في مدحه حميد بن عبد الحميد، وزاد في الشرح والترتيب، فقال:

يرتق ما يفتق أعداؤه … وليس يأسو فتقة آسي

فالناس حسم وإمام الهدى … رأس وأنت العين في الراس

والعرب تختصر في التشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرجاز:

بتنا بحسان ومعاه تئط … ما زلت أسعى بينهم وألتبط

حتى إذا كاد الظلام يختلط … جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط!

يقول في لون الذئب، واللبن إذا جهد بالماء ضرب إلى الغبرة، وأنشد الأصمعي:

وتشربه محضاً وتسقي عيالها … سجاجاً كأقراب الثعالب أورقا

السجاج: الرقيق الممذوق. والقربان: الجنبان، والواحد قرب، والجميع أقراب ، من ذلك قول عمر بن الخطاب رحمه الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاور في رجل جنى جناية، وجاء قومه يشفعون له، فشفع له قوم آخرون، فقال له عمر: يا رسول الله، أرى أن توجع قربيه، فقال القوم: يا رسول الله، إنك لن تشتد على أمتك بقول عمر: فنزل إليه جبرائيل عليه السلام فقال له ثلاثاً: يا محمد، القول قول عمر، شد الإسلام بعمر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب الرجل.

والأورق: لون بين الخضرة والسواد، يقال: جمل أورق بين الورقة، وهو الأم ألوان الإبل عند العرب وأطيبها لحماً.

ومن مليح التشبيه للمحدثين قول عبد الصمد بن المعدل في صفة العقرب:

تبرز كالقرنين حين تطلعه … تزحله مراً ومراً ترجعه

في مثل صدر السبت خلق تفظعه … أعصل خطار تلوح شعه

أسود كالسبجة فيه مبضعه … لا تصنع الرقشاء ما لا يصنعه

وفي هذه الأرجوزة أيضاً:

بات بها حين حبيش يتبعه … وبات جذلان وثيراً مضعه

ذا سنة آمن ما يروعه … حتى دنت منه لحتف تزمعه

فاظت تجم سمها وتجمعه … يا بؤس للمودعه ما يودعه

فشرعت أم الحمام إصبعه … أنحت عليه كالشهاب تلذعه

عطك سربال حرير تخلعه … فكل خل ظاهر تفجعه

يزداد من بغت الحمام جزعه … واليأس من تيسيره توقعه

وكذلك قال يزيد بن ضبة أو يزيد بن الصمة .

قال أبو الحسن: شك العباس في أنه لأحدهما، أعني هذا البيت:

وكنهم بانوا ولم أدر بغتة … وأفظع شيء حين يفجؤك البغت

ومن أحسن التشبيه ومليحه قول رجل يهجو رجلاً برثاثة الحال:

يأتيك في جبة محرقة … أطول أعمار مثلها يوم

وطيلسان كالآل يلبسه … على قميص كأنه غيم

والتشبيه كثير، وهو باب كأنه لا آخر له، وإنما ذكرنا منه شيئاً لئلا يخلو هذا الكتاب من شيء من المعاني.

ونختم ما ذكرنا من أشعار المحدثين ببيتين أو ثلاثة من الشعر الجيد، ثم نأخذ في غير هذا الباب إن شاء الله. قال طفيل:

تقريبه المرطى والجون معتدل … كأنه سبد بالماء مغسول

السبد: طائر بعينه. وقد قالوا: الخصفة التي توضع عند البئر، وهو بالطائر أشبه، وإنما أراد العرق في هذا الوقت. وخير الخيل ما لم يسرع عرقه ولم يبطئ، فإذا جاء ف وقته شمله.

قال الراجز:

كأنه والطرف منه سامي … مشتمل جاء من الحمام

وقال الأعشى:

يعادي النحوص ومسحلها … وعفوهما قبل أن يستجم

٢٢٦ / ٣٣٦