الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من مراثي الآباء والإخوة والأبناء

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

بموتك يا عبد الرحيم بن جعفر … تفاحش صدع الدين عن ألأم الكسر

فيا ابن النبي المصطفى وابن بنته … ويا ابن علي والفواطم والحبر

ويا ابن اختيار الله من آل آدم … أباً فأباً طهراً يؤدي إلى طهر

ويا ابن سليمان الذي كان ملجأ … لمن ضاقت الدنيا به من بني فهر

ومن ملأ الدنيا سماحاً ونائلاً … وروى حجيجاً بالملمعة القفر

لعز بما قد نالنا من رزيئة … بموتك محبوساً على صاحب القبر

فإن تضح في حبس الخليفة ثاوياً … أبياً لما يعطي الذليل على القشر

لكم من عدو للخليفة قد هوى … بكفك أو أعطى المقادة عن صغر

فوا حزناً! لو في الوغى كان موته … بكينا عليه بالردينية السمر

وكنا وقيناه القنا بنحورنا … وفات كذا في غير هيج ولا نفر

وحدثت أن عمر بن الخطاب لما ولى كعب بن سور الأزدي قضاء البصرة، أقام عاملاً له عليها إلى أن استشهد، على أنه كان قد عزله ثم رده، فلما قام عثمان بن عفان أقره، فلما كان يوم الجمل خرج مع إخوة له - قالوا ثلاثة، وقالوا أربعة - وفي عنقه مصحف، فقتلوا جميعاً، فجاءت أمهم حتى وقفت عليهم، فقالت:

يا عين جودي بدمع سرب … على فتية من خيار العرب

وما لهم غير حين النفو … س أي أميري قريش غلب!

هذه الرواية سرب وقالوا معناه: جار في طريقه، من قولهم: انسرب في حاجته. وبيت ذي الرمة يختار فيه الفتح:

كأنه من كلى مفرية سرب

لأنه اسم، والأول المكسور نعت، ويقبح وضع النعت موضع المنعوت غير المخصوص.

قال أبو الحسن: حق النعت أن يأتي بعد المنعوت، ولا يقع في موقعه حتى يدل عليه فيكون خاصاً له دون غيره، تقول: جاءني إنسان طويل، فإن قلت: جاءني طويل لم يجز؛ لأن طويلاً أعم من قولك: إنسان، فلا بدل عليه. فإن قلت: جاءني إنسان متكلم، ثم قلت بعد: جاءني متكلم جاز؛ لأنك تدل به على الإنسان، فهذا شرح قوله: المخصوص.

وقولها: غير حين النفوس نصب على الاستثناء الخارج من أول الكلام، وقد ذكرناه مشروحاً.

والمراثي كثيرة كما وصفنا، وإنما نكتب منها المختار والنادر والمتمثل به السائر.

فمن مليح ما قيل قول رجل يرثي أباه: قال أبو الحسن: يقال إنه لأبي العتاهية:

قلب يا قلب أوجعك … ما تعدى فضعضعك

يا أبي ضمك الثرى … وطوى الموت أجمعك

ليتني يوم مت صر … ت إلى حفرة معك

رحم الله مصرعك … برد الله مضجعك

وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنه، وكان مات بالبصرة:

نأى آخر الأيام عنك حبيب … فللعين سح دائم وغروب

دعته نوى لا يرتجي أوبة لها … فقلبك مسلوب وأنت كئيب

يؤوب إلى أوطانه كل غائب … وأحمد في الغياب ليس يؤوب

تبدل داراً غير داري وجيرة … سواي، وأحداث الزمان تنوب

أقام بها مستوطناً غير أنه … على طول أيام المقام غريب

كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحى … سقاه الندى فاهتز وهو رطيب

كأن لم يكن كالدر يلمع نوره … بأصدافه لما تشنه ثقوب

كأن لم يكن زين الفناء ومعقل الن … ساء إذا يوم يكون عصيب

وريحان صدري كان حين أشمه … ومؤنس قصري كان حين أغيب

وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت … بحمد إلهي وهي منه سليب

قليلاً من الأيام لم يرو ناظري … بها منه حتى أغلقته شعوب

كظل سحاب لم يقم غير ساعة … إلى أن أطاحته فطاح جنوب

أو الشمس لما من غمام تحسرت … مساء وقد ولت وحان غروب

سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا … بعيني ماء يا بني يجيب

وما غار نجم أو تغنت حمامة … أو اخضر في فرع الأراك قضيب

٣٠٧ / ٣٣٦