الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من مراثي الآباء والإخوة والأبناء

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

حياتي ما دامت حياتي فإن أمت … ثويت وفي قلبي عليك ندوب

وأضمر إن أنفدت دمعي لوعة … عليك لها تحت الضلوع وجيب

دعوت أطباء العراق فلم يصب … دواءك منهم في البلاد طبيب

ولم يملك الآسون دفعأً لمهجة … عليها لأشراك المنون رقيب

قصمت جناحي بعد ما هد منكبي … أخوك، فرأسي قد علاه مشيب

فأصبحت في الهلاك إلا حشاشة … تذاب بنار الحزن فهي تذوب

توليتما في حقبة فتركتما … صدى يتولى تارة ويثوب

فلا ميت إلا دون رزئك رزؤه … ولو فتتت حزناً عليه قلوب

وإني وإن قدمت قبلي لعالم … بأني وإن أبطأت منك قريب

وإن صباحاً نلتقي في مسائه … صباح إلى قلبي الغداة حبيب

وقال أبو عبد الرحمن العتبي، وتتابع له بنون:

كل لساني عن وصف ما أجد … وذقت ثكلا ما ذاقه أحد

وأوطنت حرقة حشاي فقد … ذاب عليها الفؤاد والكبد

ما عالج الحزن والحرارة في ال … أحشاء من لم يمت له ولد

فجعت باثنين ليس بينهما … إلا ليال ليست لها عدد

فكل حزن يبلى على قدم الد … هر وحزني يجده الأبد

وذكر بعض الرواة أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان عاملاً لعلي بن أبي طالب على اليمن، فشخص إلى علي، واستخلف على اليمن عمرو بن أركة الثقفي، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بسر بن أرطاة، أحد بني عامر ابن لؤي، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه عبد الله أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه:

لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى … به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر

لتستنفدن ماء الشؤون بأسره … ولو كنت تمهرين من ثبج البحر

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساً … بصنعاء كالليث الهزبر أبي أجر

وقلت لعبد الله إذ حن باكياً … تعز، وماء العين منهمر يجري

تبين فإن كان البكار رد هالكا … على أهله فاشدد بكابك على عمرو

ولاتبك ميتاً بعد ميت أجنه … علي وعباس وآل أبي بكر

قوله: من ثبج البحر فثبج كل شيء وسطه، ويروى في الحديث: كنت إذا ُفاتحت الزهري فتحت منه ثبج البحر. وقوله: تمريهن هو مثل، يقال: " مريت الناقة " إذا مسحت ضرعها لتدر، فإنما هو استخراج اللبن، ويقال: " مريت برجلي الأرض " ، إذا مسحتها، والأصل ذلك، فإنما أراد: ولو كنت تستخرج الدموع من ثبج البحر.

وكان بسر بن أرطاة ي تلك الحروب أرشد على ابنين لعبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب، هما، طفلان أمهما من بني الحارث بن كعب، فوارتهما الحارثية، فيقال إنه أخذهما من تحت ذيلها فقتلهما، ففي ذلك تقول الحارثية:

ألا من بين الأخوي … ن أمهما هي الثكلى

تسائل من رأى ابنيها … وتستبغي فما تبغى

وفي ذلك تقول أيضاً:

يا من أحسن بنيي اللذين هما … كالدرتين تشظى عنهما الصدف

يا من أحس بنيي اللذين هما … سمعي وطرفي فطرفي اليوم مختطف

يا من أحس بنيي اللذين هما … مخ العظام فمخي اليوم مزدهف

نبئت بسراً، وما صدقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

أنحى على ودجي طفلي مرهفة … مشحوذة، وعظيم الإفك يقترف

من دل والهة حرى مفجعة … على صبيين غابا إذ مضى السلف

ويرى أن معاوية لما أتاه موت عتبة تمثل:

إذا سار من خلف امرئ وأمامه … وأوحش من أصحابه فهو سائر

فلما أتاه موت زياد تمثل:

وأفردت سهماً في الكنانة واحداً … سيرمي به أو يكسر السهم كاسر

وماتت امرأة للفرزدق بِجُمع ومعنى جمع ولدها في بطنها وإن شئت قلت: جِمعٌ يا فتى، فقال الفرزدق:

وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح … عليه ولم أبعث عليه البواكيا

٣٠٨ / ٣٣٦