قبول التوبة فضل أم استحقاق؟
الجزء ١ · صفحة ٥٣٩قبول التوبة فضل أم استحقاق؟
إن أحسن ما يرجوه التائب أن يقبل الله توبته، وأن يعفو عن معاصيه وأن يبدل سيئاته حسنات، وأن يدخله جنة النعيم، إلا أن علماء الكلام أثاروا نقطة الاستحقاق والفضل هنا كما فعلوا بالنسبة إلى الثواب.
فالمعتزلة يرون انه يجب على الله قبول التوبة نقلا وعقلا. أما النقل فاعتقادهم على قوله تعالى: ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) (4 النساء17) حيث اعتبروا أن(على) بمعنى الوجوب ولولا ذلك لكانت الآية مساوية لقوله تعالى (فأولئك يتوب الله عليهم) (4 النساء17).
يرد السالمي بما يلي:" وأجيب عن ذلك بأنه تعالى وعد بقبول التوبة من المؤمنين فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة(على) وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله( إنما التوبة على الله) وبين قوله( فأولئك يتوب الله عليهم).
فإن قيل: فلم أخبر عن قبول التوبة، وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع فيلزمكم ألا يكون فاعلا مختارا.
أجيب بأن الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للإيقاع ، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع فسقط احتجاجهم بالآية" (37) .
ثم يرد على قولهم بوجوب قبولها عقلا اعتمادا على تحليل الفخر الرازي الذي يدلي بأربعة حجج نكتفي بذكر واحدة منها:" إن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل" (38) .